التخطي إلى المحتوى

إستلمت دار الافتاء سؤالاً يقول فيه صاحبه، ما حكم الشرع بالنسبة لفريضة الحج لذوي الاحتياجات المخصصة والإعاقات الذهنية والجسدية؟ 

وأجاب الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية، أن المسلمين من ذوي الإعاقات الجسدية لهم حكم الأصحاء شرعًا مِن وجوب الحج على المستطيع منهم، وكذلك الوضع مع ذوي الإعاقات الذهنية التي لم تُخرجهم إعاقتُهم عن حَدِّ التكليف الشرعي، والحج يقع صحيحًا منهم مُسقِطًا للفريضة؛ سواء حجوا بمالهم أم بمال غيرهم.

وأوضح المفتي وأما مَن كانت إعاقتُه الذهنية تُخرجه عن حدِّ التكليف الشرعي، فإن الحج والعمرة تصح منهم -لا على جهة الوجوب- إذا تم نقلهم إلى الأماكن المقدسة وقاموا بأداء الحج أو العمرة بأركانهما وشروطهما عن طريق مساعدة الغير لهم، ويكون ذلك في ميزان حسناتهم، وإن كان ذلك لا يُغنِي عن حج الفريضة وعمرة الفريضة -عند مَن يقول بفرضيتها- إذا عُوفِي المعاق ذهنيًّا من مرضه وإعاقته وصار مُكَلَّفًا.

مبيناً بأن الحج يتفرد ومثله العمرة عن سائر العبادات بأحكامٍ وطبيعةٍ مختلفة؛ منها، أنه يجمع بين العبادة المالية والبدنية، على حين أن الزكاة عبادة مالية، وأما الصلاة والصوم فعبادتان بدنيتان. ومنها: أن للحج مكانًا معينًا لإقامة شعائره، على حين أن العبادات الأخرى ليس لها مكان معين ومنها، أن الحج إذا فَسَدَ وَجَبَ المُضِيُّ فيه وإتمامُه، ثم قضاء حج آخر مكانه، بينما باقي العبادات إذا فَسَدَت فقد خرج المكلف منها قَهرًا، ولا يَمضِي فيها ويجب قضاؤها أو إعادتها، ومنها: أن هناك فرقًا في الحج بين الركن والواجب، بينما في باقي العبادات لا فرق عند حشْد العلماء فيها بين الركن والواجب، ومنها، أنه يمكن الحج والعمرة عن الحي غير القادر على المناسك، بمعنى غير المستطيع للوصول إلى الأراضي المقدسة والثبات على الدابة أو الراحلة، وهو المسمى في الفقه بـالمَعضُوب، بينما سائر العبادات لا يقوم فيها الغير عن المكلف في حياته، وغير ذلك من الفروق بين الحج والعمرة من جهةٍ وبين سائر العبادات من جهةٍ أخرى.

وتابع المفتي ولهذا كان الحج ذا طبيعة خاصة؛ حيث إنه لا يلزم إلا مرة واحدة في العُمُر، خلافًا لبقية العبادات، ومنها – وهذا الذي يعنينا الآن في الجواب على السؤال المطروح، أن الحج يُقبَل مِن المكلف ومن غير المكلف ولو غير مُمَيِّز، بمعنى أنه يُثاب عليه إذا أداه عنه غيره صحيحًا مستوفيًا الزوايا والشروط. أما الصلاة والصوم فغاية أمرهما أنهما يصحان مِن غير المكلف إذا أداهما بأركانهما وشروطهما بشرط أن يكون مميزًا، وإن كان لا يطالب المميز بهما، وإنما المخاطب في ذلك هو الولي الشرعي له؛ من والدٍ أو والدةٍ أو وَلِيٍّ أو وَصِيّ، بدليل قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الصلاة: «وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ» رواه أبو داود وأحمد والبيهقي عن عمرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه رضي الله تعالى عنه، وفي رواية: «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِثَلَاثَ عَشْرَةَ» رواها الدارقطني، والطبراني في “الأوسط”. وقيس على الصلاة الصيامُ وغيرُه بجامع العبادة البدنية في كُلٍّ.

أما الحج فلخصوصيته التي سبق الكلام عليها وعلى مظاهرها كان المكافأة لاحقًا لمَن صدر منه بنفسه أو بمساعدة الغير ولو كان طفلًا غير مميز، ولو رضيعًا، أو كان بالغًا ولكن اختل تكليفُه الشرعي بنقص في عقله أو بإعاقة في ذهنه.

والدليل على ذلك، ما رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: أنه لقي رَكبًا بالرَّوحاء، فقال: «مَنِ الْقَوْمُ؟» قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «رَسُولُ اللهِ»، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ»، وفي رواية الطبراني في “العظيم” و”الأوسط”: رفعت صبيًّا لها في خِرقة؛ مما يدل على أنه كان رضيعًا. ويُقاس على الطفلِ غيرِ المميز المجنونُ والمُعاق ذهنيًا إعاقة تُخرجه عن التكليف بجامع ارتفاع التكليف عن كُلٍّ.

مختتماً فتواه: فإن المسلمين من ذوي الإعاقات الجسدية فقط لهم حكم الأصحاء شرعًا، مِن وجوب الحج على المستطيع منهم إما بنفسه أو بغيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:97]، وكذلك الوضع مع ذوي الإعاقات الذهنية التي لم تُخرجهم إعاقتُهم عن حَدّ التكليف الشرعي؛ بأن كان سنه العقلي لا العمري هو سن البالغين المدركين لما حولهم؛ بأن يكون خمسة عشر عامًا فما فوق، أو أدنى من خمسة عشر عامًا ولكنه يكون برأي المختصين مدركًا للأمور الحسِّيّة المتعلقة بالجنس الآخر كما يشعر بها مَن احتلم من الذكور أو احتلمت أو حاضت من الإناث؛ سواء أَجَمَعُوا بين الإعاقة الجسدية وهذا النوع من الإعاقة الذهنية أم اقتصر الأمر على إعاقتهم الذهنية فقط، والحج يقع صحيحًا منهم مُسقِطًا للفريضة؛ سواء أحجوا بمالهم أو بمال غيرهم.

وأما مَن كانت من المسلمين إعاقتُه الذهنية تُخرجه عن حدّ التكليف الأسبقِ تحديدُه، فإن الحج ومثله العمرة تصح منهم إذا تم نقلهم إلى الأماكن المقدسة وقاموا بأداء الحج أو العمرة بأركانهما وشروطهما عن طريق مساعدة الغير لهم؛ سواء أكان ذلك بأموالهم أو بأموال غيرهم، ومعنى ذلك أنه يوضع ذلك في ميزان حسناتهم، وتُرفَع بها درجاتهم، وإن كان ذلك لا يُغنِي عن حج الفريضة أو عمرة الفريضة عند مَن يقول بوجوب العمرة كالشافعية، بمعنى أن المعاق ذهنيًّا إعاقةً تُخرِجه عن التكليف إذا عُوفِي من مرضه وإعاقته وصار مكلفًا وجبت عليه حجةُ الفريضة وعمرة الفريضة عند مَن يقول بفرضيتها.

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *