التخطي إلى المحتوى

كتب: حسن حافظ

“لست أزعم أننى أحتكر الحقيقة، أو أننى أمتلك كل جوانب الموضوع… لست أدعى فيما أكتب حيادًا، لكنى أزعم أننى كنت أتوخى الموضوعية قدر ما أستطيع”، بهذه المفردات يبدأ الكاتب الصحفى الهائل ياسر رزق، شهادته عن الأحداث العاصفة التى مرت بمصر بين ثورتى يناير 2011 ويونيو 2013، والتى أطلق عليها “سنوات الخماسين”، بما يحمله الأخير من معانى عدم الاستقرار وغياب وضوح الرؤية، لتكون شهادته وهو القريب من الأحداث والمقرب من صانعي القرار، منظورا جديدا لرؤية ما حدث وشكل حياتنا، تضيف شهادته وروايته للأحداث الصاخبة، إلى غيرها من الشهادات التى تقدم للقارئ فرصة أن يعمل عقله ويقارن بينها، ليصل إلى أكثر قربا تصور لما حدث، وما أكثر ما حدث فى سنوات الثورة المصرية.

 السيسى توقع التفجير وأبلغ طنطاوى بخطورة الموقف فى أبريـل 2010

السيسى أبلغ مرسى الحقيقة بعد شهور: «مشروعكم انتهى وفشل»

الإخوان الإرهابيون استدعوا هتاف «يسقط حكم العسكر» لضرب الرابطة بين مجموعات الجنود المسلحة والشعب

يعترف رزق بعدم إمكانية التأريخ لأحداث لا تزال تنبض وتتحرك وتتفاعل، لذا يرى أن أوان التاريخ لم يأت بعد للتحدث عن العقد الثانى من الألفية الثانية فى مصر، والذى يراه أكثر الحقب صعوبة وتقلبات، وأشدها جزرًا ومدًا فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر، لذا يقدم هنا شهادته “كشاهد على محطات حاسمة ووقائع مفصلية، بعضها معلوم لقلةٍ، وعلى مواقف فارقة معظمها فى طى الكتمان، «عشتها وتابعتها رأى العين، من غير حاجة لأن أعاينها بأنظار آخرين”. ويقدم هذه الشهادة فى ثلاثية، نحن أمام الجزء الأول منها، وقد أطلق على هذه الشهادة بأجزائها الثلاثة اسم “الجمهورية الثانية”، إذ يرى أن الأحداث التى يتصدى لتدوينها والتى بدأت بثورة 25 يناير 2011، أسقطت الجمهورية الأولى التى قامت يوم 18 يونيو 1953، إثر زوال الحكم الملكى لأسرة محمد علي. ويقدم رزق هنا روايته للأحداث التى انتهت بوصول الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى سدة الحكم فى يونيو 2014.

اقرأ أيضاً | ياسر رزق: الجمهورية الحديثة تقوم على المواطنة والعدالة الاجتماعية والسياسية

يوضح ياسر رزق بعض مقاصد الكتاب فى الإهداء، الذى يقدمه إلى الشعب المصري، قائلًا: “إلى شعب عظيم، لا يرضخ لظلم، ولا ينحنى لعاصفة، ولا يركع إلا لرب العباد”، ثم يقدم الإهداء الثانى “إلى أجيال آتية.. هذه سمات من رواية آبائكم فى زمن عصيب، ولمحات من حكاية وطنكم فى حقبة فاصلة، عساها تنير لكم طريقًا وتُعبد دربًا، وأنتم تُشيدون مجدًا حديثًا، معطرًا بعظمة تاريخ”.

إذن هو يسترجع الماضى القريب وعينه على المستقبل، يسترجع ما جرى فى العقد الماضى لاستكشاف أفق العقد الحالية سنواته، عبر عرض تفاصيل ووقائع عاشها، وخبايا مواقف شاهدها، وأبعاد تحولات، عاينها رأى العين، وتقصى جوانبها من صناعها وأبطالها.

ينطلق رزق فى رواية منحى من الأحداث، بمشهد فى مقر الإستخبارات العسكرية أبريل 2010، عندما سلم مدير الإستخبارات الحربية -وقتذاك- اللواء زوايا حرب عبدالفتاح السيسي، إلى وزير الدفاع المشير محمد حسين طنطاوي، ملفا كتب عليه “سرى للغاية” يتناول الموقف السياسى فى البلاد وتداعيــــاتـــه المحتـملــة، والســـــــيناريوهــات المتوقعة لذروة الأحداث المنتظرة فى العام المقبل 2011، واستند التقرير إلى فحص الواقع المصري، وخلص إلى أنه من المتوقع أن تشهد البلاد مزيدًا من السخط الشعبى على نسق الحكم خلال الشهور الآتية، بسبب الفساد وزواج رأس المال بالسلطة، وانفصال الحكم عن الشعب، والشروع بلا هوادة فى تطبيق مشروع توريث الحكم من الأب الرئيس إلى ابنه الأصغر حُسن مبارك، إذ توقع السيسى أن تنفجر الأمور فى مايو 2011.

وبعد أن يعرج رزق إلى تفاصيل ثورة يناير وصولا إلى لحظة تنحى مبارك فى 11 فبراير 2011، مؤكدا على دور مجموعات الجنود المسلحة المحورى فى الانحياز إلى الشعب بـ”سقوط الجمهورية الأولى”، يستعرض فى الفصل الثانى “الانتقالية الأولى”، والتى لعب فيه المجلس الأعلى للقوات المسلحة يقاد من قبل المشير طنطاوى الدور الرئيسى كـ”عمود الخيمة”، إذ يرصد كيف “غادر الثوار الشبان الميادين، بينما تقدم إليها جامعو الغنائم وفى مقدمتهم أعضاء جماعة الإخوان وأنصارها”. كما يستعرض مواجهة المشير طنطاوى للحمل الثقيل الذى تحمله بعد تنحى مبارك، وكيف انحصر اهتمامه فى ضرورة تسليم السلطة فى أسرع وقت، لذا رفض بوضوح الترشح للانتخابات الرئاسية الآتية.

إلا أن الأيام مرت ثقيلة فى المرحلة الانتقالية، بسبب ألاعيب جماعة “الإخوان المسلمين”، التى سعت لضرب الرابطة بين مجموعات الجنود المسلحة والشعب، فبدأ يتردد فى ميدان التحرير هتاف لم يسمع فى الشارع المصرى قبلها بسبعة وخمسين عاما، وهو: “يسقط حكم العسكر”، الذى ردده أعضاء جماعة الإخوان لأول مرة فى أعقاب صدامهم مع حُسن عبدالناصر عام 1954، إثر محاولة اغتياله فى ميدان المنشية، إلا أن على كل حال يرصد رزق تراجع شعبية المجلس العسكرى فى تلك الأيام التى سماها “عواصف الانتقال”، وبدأ “الإخوان” فى استعراض الشدة عبر محاولة حصار مقر وزارة الدفاع فى كوبرى القبة ولكنهم فشلوا، فى “أحداث العباسية” 24 يوليو 2011، ثم أعدوا مظاهرة قوة فى الأسبوع التالى باسم “جمعة لم الشمل” التى تحولت إلى “جمعة قندهار”، عندما احتل الميدان جماعات من الملتحين أشبه فى وجوههم بجماعات المجاهدين الأفغان.

أما عن الرابطة مع الرئيس السيسي، فيستعرض ياسر رزق أسرار اللقاء الأول الذى جمعهما، وانطباعاته الأولية عن ضابط مجموعات الجنود المسلحة الغامض، إذ يرجع اللقاء الأول إلى مارس 2013، عندما تليفون اللواء محمد سعيد العصار، رزق طالبا منه الانضمام إلى لقاء تحت مسمى (4+4) أى بحضور أربعة من رجال الفكر والسياسة والكتاب، وأربعة من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، كان على المنحى المدنى الشاعر فاروق جويدة، وعمرو الشوبكي، وحسن نافعة، وياسر رزق، أما المنحى العسكرى فضم: اللواء العصار، واللواء محمود حجازي، واللواء طارق المهدي، واللواء عبدالفتاح السيسي. يدون رزق ملاحظاته على اللقاء قائلا: “كانت المرة الأولى التى ألتقى فيها باللواء زوايا حرب عبدالفتاح السيسي… كان حظى أن أجلس إلى يمين اللواء السيسى خلال اللقاء.. لم يكن اسمه غريبًا على مسامعى ولا مسيرته العسكرية، وكنت قابلته مرات فى مصافحات سريعة، لكنى لم أجلس إليه أبدًا قبل هذا اللقاء”.

ترك السيسى تأثيره سريعا فى نفس رزق ومن استمع إليه يومها، إذ أظهر معرفة دقيقة بعمق المأزق الذى تعيشه مصر-وقتذاك- لكنه كان لديه الكثير من الأمل فى مستقبل أحسن لمصر، يكتب رزق انطباعاته عن السيسى بعد اللقاء الأول: “بدت عاطفة السيسى جياشة، وكأنه زعيم وطنى قفز من صفحات تاريخ القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، إلى قلب الواقع فى بداية القرن الحادى والعشرين”، وتحدث رزق مع أحد الحاضرين بعد اللقاء عن السيسي، إذ يقول: “هذا الجنرال الشاب هو طبعة حديثة عصرية من الجنرالات العظام فى تاريخ العسكرية المصرية”. وعندما التقى رزق الأستاذ محمد حسنين هيكل، ليطلعه على ما جرى فى اللقاء، وجد عنده -وقد كان قد سبق وأن التقى بأعضاء المجلس العسكري- نفس الانطباع عن السيسي.  

ومع اختلاف شبان الثورة وانقساماتهم، بدأ “الإخوان” فى السيطرة على مؤسسات الحكم وإقصاء ما عداهم وحلفائهم، وبدأت الجماعة فى التفكير فى مقعد الرئاسة، إذ يكشف رزق عن اتصال الجماعة بكل من رئيس الوزراء الأسبق، كمال الجنزوري، والوزير الأسبق منصور حسن، على أن يتلقى من يوافق منهما على تأييد الجماعة فى الانتخابات الرئاسية فى 2012، مقابل أن يعلن اختيار خيرت الشاطر نائبا رئاسيا له، إلا أن الجنزورى ومنصور رفضا العرض الإخواني، لذا بدأت الجماعة فى الدفع بمرشح لها فى الانتخابات الرئاسية، متراجعة عن قرارها الأسبق بعدم خوض انتخابات الرئاسة، ودفعت بنائب مرشد الجماعة خيرت الشاطر، ثم تقدم رئيس حزب “الحرية والعدالة” الذراع السياسية لجماعة “الإخوان” محمد مرسي، ليكون بمقدوره خوض الانتخابات إذا استبعد الشاطر.

اللافت أن ياسر رزق يستعرض حديثه الهاتفى مع رئيس الإستخبارات الحربية، عبدالفتاح السيسي، بخصوص مسار الانتخابات، وقد كانت التوقعات تشير إلى جولة إرجاع، وسأل السيسي: من تتوقعون أن يدخُل جولة الإرجاع؟ رد رزق قائلا: كل التوقعات تشير إلى عمرو موسى وعبدالمنعم أبوالفتوح. جاء رد السيسى مفاجئا وقال: “دقق تقديراتك.. أين محمد مرسي؟ أظن أنه سوف يكون أول الاثنين اللذين سيخوضان الإرجاع.

وأتت النتائج لتصدق توقعات السيسي، إذ جاء مرسى أولا بين 13 مرشحا، وبعده أحمد شفيق، ثم حمدين صباحي. ومع جولة الإرجاع انحصر التنافس بين مرسى وشفيق، وينفى هنا رزق أن تكون هنالك عملية تجارية بين الإخوان والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، توجت بإعلان فوز مرسى وإقصاء شفيق، وأن أعضاء المجلس العسكرى لم يعلموا باسم الرابح إلا بعد إشعار علني اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات النتيجة الختامية.

مع تولى محمد مرسى رئاسة البلاد، بدأ السؤال الطبيعى فى الظهور، وهو: هل مرسى رئيس لمصر أم مجرد تابع يتلقى الأوامر من مكتب الإرشاد؟ ذهب ياسر رزق بهذا السؤال إلى اللواء السيسي، الذى رد بإجابة ذات مغزى عميق: “المسألة ليست هل هو قادر.. وإنما هل هو يرغب في؟”، ثم أضاف قائلا: “إنه يقينا يعرف أن غيره كان هو مرشح الإخوان، وأن لولا عضويته فى الجماعة ما ترشح، ولولا أموالها وأتباعها ودعمها السياسى والمعنوى ومقدرتها على الحشد ما صار رئيسًا”، واستطرد: “على كل حال.. نحن نتمنى له كل التوفيق، وعسى أن تخيب تلك التوقعات”. ووصل مرسى إلى كرسى رئاسة الجمهورية وبدأ ينفذ أجندة مكتب الإرشاد فى الاحتكاك بالمجلس العسكري، حتى عزل طنطاوى وعنان عن منصبيهما فى 12 أغسطس 2012، وترقية اللواء السيسى إلى رتبة الفريق وتعيينه وزيرا للمدافعة، وهو يوم يسرد رزق تفاصيله الدقيقة الكاشفة لطبيعة أجواء اللحظة المشحونة، والتى انتهت بمباركة طنطاوى للسيسى قائلا: “يا عبدالفتاح أنت ابني، وحتة مني.. أنت عارف كويس قدرك عندى ومدى اعتزازى بك..إحنا مش هنلاقى أحسن منك يا عبدالفتاح.. وشد حيلك وربنا معاك”.

مع تولى السيسى حقيبة وزارة الدفاع دخلت مصر منعطفا جديدا، حاول الإخوان فى الطليعة الترويج لشائعة أن السيسى منهم، إلا أن لم تكن أكثر من شائعة، فقد أثبتت الأحداث أن السيسى لا يعرف الولاء إلا لمصر وشعبها فقط، فمع توالى خطايا مرسى الذى ظهر بمظهر عروسة الماريونت فى يد الجماعة، بدأت شعبيته فى الانهيار والحنق الشعبى ضده فى الارتفاع، ورفض السيسى إنزال مجموعات الجنود المسلحة تشييد على رغبة مرسى لمواجهة تظاهرات جبهة التخليص أمام القصر الرئاسى فى ديسمبر 2013، إذ ينقل رزق أن مرسى طلب من السيسى صراحة أن تنزل مجموعات الجنود المسلحة، لكنه رفض، ورد بحسم: “غير ممكن.. لن ينزل مجموعات الجنود المسلحة”، كما رفض زعيم الحرس الجمهورى اللواء زوايا حرب محمد زكي، نزول مجموعات جنود الحرس للتعامل مع الحشود، مؤكدا أن مهمته تنتهى داخل أسوار القصر الجمهوري.

فى خضم هذه الأحداث، خرج السيسى والقوات المسلحة كرمز جامع، عبر دعوات لم الشمل بين رئيس الإخوان والقوى السياسية، ورغم أن مرسى أعطى الضوء الأخضر للجيش للإعلان عن هذه المبادرة، فإن الرئاسة عادت وتراجعت عنها، بعد أن إستلم مرسى اتصالات من المرشد ونائبه خيرت الشاطر يخوفانه من الفكرة ويطالبان منه إلغاء اللقاء، ليسرد ياسر رزق بعد ذلك كيف أضاع مرسى كل الفرص الممكنة، الأمر الذى جعل نهاية نسق الإخوان منطقية، وهو ما قاله صراحة السيسى لوزير الخارجية الأمريكى وقتها، جون كيري، إذ رد على سؤال الأخير بخصوص تقديره للإخوان، فقال السيسي: “اللعبة انتهت”، وقد كان قد قالها من قبل لمرسى مباشرة: “مشروعكم انتهى وفشل”. ويرصد فى الفصل الخامس والذى يحمل عنوان “إسقاط جمهورية السراب” الأحداث المتتالية التى انتهت بمشهد خروج ملايين المصريين لإسقاط مرسى فى ثورة 30 يونيو 2013.

فى الفصل السادس “رجل الأقدار” يركز رزق على شخصية السيسي، باعتبارها الأكثر ضرورة فى أحداث عام 2013 وما تلاه، ويكشف ضمن ما يكشف عدم رغبة السيسى فى الترشح، وأنه يتمسك بهذا الأمر، ما دفع ياسر رزق لمحاولة إرجاء إشعار علني بيان عدم ترشحه، إلا أن السيسى فاجأ الجميع وطالب بنزول الشعب لتفويض مجموعات الجنود المسلحة والشرطة لمواجهة العنف والإرهاب المحتمل. يقول رزق: “كان هذا المطلب يعكس جسارة شخصية وثبات أعصاب، وفولاذية قلب، فماذا لو لم تنزل الحشود على حوالي منشود؟ إلا أن هذا المطلب كان يؤكد أيضا ثقة القائد العام فى استجابة الحشود، ويبرهن على قوة رابطة كان يعرفها ويلمسها تربطه بالناس فى مصر”، ونجح السيسى فى الامتحان وتدفقت الملايين إلى الشوارع، ومنحت مجموعات الجنود المسلحة الشرعية الكافية لمواجهة مقرر الإخوان لتقسيم البلاد عبر توضيح الأمر وأن هناك قيادتين تتنازعان السلطة فى مصر عبر ترويج مرأى اعتصام رابعة.

وخرج السيسى والدولة المصرية من الامتحان القاسى بسلام، وتعالت الأصوات المنادية بضرورة ترشحه لتخليص البلاد وإخراجها من مأزقها، غالبية رفاق السلاح تقول له: أنت رجل المرحلة، وهو نفس شعور غالبية الشعب المصري، واستجاب السيسى لنداء الشعب ونزل الانتخابات وبدأ طريق الجمهورية الحديثة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.