التخطي إلى المحتوى

يبقى‭ ‬الشغف والحنين‭ ‬إلى‭ ‬سينما‭ ‬يوسف‭ ‬شاهين‭ ‬مستمرا‭.. ‬حنين‭ ‬يدعوك‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬إجابات‭ ‬لتساؤلات‭ ‬عديدة‭ ‬محيرة،‭ ‬تتسرب‭ ‬إلى‭ ‬وجدانك‭ ‬من‭ ‬آن‭ ‬لآخر،‭ ‬كلما‭ ‬شاهدت‭ ‬فيلما‭ ‬له‭ ‬لتقف‭ ‬في‭ ‬مفترق‭ ‬الطرق‭.. ‬‮«‬لماذا‭ ‬كان‭ ‬شاهين‭ ‬هكذا؟‭.. ‬لماذا‭ ‬كان‭ ‬مفكرا‭ ‬سينمائيا‭ ‬وشاهدا‭ ‬على‭ ‬عصر‭ ‬وملهما‭ ‬بروح‭ ‬تجوب‭ ‬العالم‭ ‬الإنساني؟‮»‬‭..‬

أعتقد‭ ‬أن‭ ‬النواة‭ ‬الحقيقة‭ ‬للإجابة‭ ‬هي‭ ‬إن‭ ‬شاهين‭ ‬تمَكّن‭ ‬وبجرأة‭ ‬شديدة‭ ‬ــ‭ ‬لم‭ ‬يحظ‭ ‬بها‭ ‬آخرون‭ ‬ــ‭ ‬أن‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬روحا‭ ‬وفكرا،‭ ‬لم‭ ‬يخجل‭ ‬من‭ ‬طرح‭ ‬أحلامه‭ ‬وأوهامه‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الشخصي‭ ‬أو‭ ‬القومي‭ ‬أو‭ ‬الفني،‭ ‬كان‭ ‬ذكيا‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬أفكاره،‭ ‬وربما‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬سر‭ ‬تميزه،‭ ‬وأعتبره‭ ‬أيضا‭ ‬واضحا‭ ‬وصريحا،‭ ‬وهنا‭ ‬يكمن‭ ‬إبداعه‭.‬

كلما‭ ‬فكرت‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬عن‭ ‬المخرج‭ ‬الهائل،‭ ‬تتناثر‭ ‬مشاهد‭ ‬شاهين‭ ‬السينمائية‭ ‬والحياتية‭ ‬أمامي،‭ ‬تعيد‭ ‬قراءة‭ ‬وطن،‭ ‬قراءة‭ ‬الآخر،‭ ‬ونعيد‭ ‬معها‭ ‬قراءة‭ ‬أنفسنا‭.‬

والسؤال‭ ‬هنا‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬عبر‭ ‬شاهين‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬الأفلام‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬مجموعة‭ ‬سيرته‭ ‬الذاتية؟‮»‬،‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬جمالا‭ ‬ووعيا‭ ‬في‭ ‬أفلام‭ ‬كثيرة‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬مجموعة‭ ‬أفلام‭ ‬السيرة‭ .‬

كان‭ ‬التمرد‭ ‬عند‭ ‬شاهين‭ ‬مثل‭ ‬البراءة‭ ‬الكاشفة،‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الادعاء،‭ ‬ولا‭ ‬يسعى‭ ‬لشعارات‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬شكلت‭ ‬رؤيته‭ ‬في‭ ‬أفلامه‭ ‬أراءً‭ ‬وإشارات‭ ‬وإشارات‭ ‬تحذير‭ ‬يمتد‭ ‬عمرها‭ ‬بعمر‭ ‬الوطن،‭ ‬وسعى‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬أفكار‭ ‬زائفة‭ ‬وتعرية‭ ‬إزدواجية‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬مجتمع،‭ ‬عبر‭ ‬أقنعة‭ ‬شخصياته‭ ‬السينمائية‭ ‬التي‭ ‬تنبض‭ ‬بالروح‭ ‬وبالحب‭ ‬وبالألم‭ ‬والحلم‭.‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬لمسناه‭ ‬مثلا‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ ‬‮«‬قناوي‮»‬‭ ‬التي‭ ‬جسدها‭ ‬بنفسه‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬باب‭ ‬الحديد‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1985،‭ ‬وقف‭ ‬شاهين‭ ‬خلف‭ ‬الكاميرا‭ ‬ليقدم‭ ‬أداءً‭ ‬عبقريا‭ ‬لشخصية‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬الحياة،‮ ‬فيها‭ ‬فكرة،‭ ‬ولها‭ ‬روح،‭ ‬ووراءها‭ ‬مقصد،‭ ‬تحمل‭ ‬سمات‭ ‬من‭ ‬خير‭ ‬وملامح‭ ‬من‭ ‬شر‭ ‬دفعه‭ ‬إليه‭ ‬ظروف‭ ‬مجتمع‭ .‬

شكل‭ ‬الفيلم‭ ‬والشخصية‭ ‬نوعية‭ ‬حديثة‭ ‬من‭ ‬السينما‭ ‬غير‭ ‬المألوفة،‭ ‬عرفت‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬الواقعية‭ ‬الحديثة‮»‬،‮ ‬وبطل‭ ‬أحدث‭ ‬شرخا‭ ‬في‭ ‬جدار‭ ‬الإنسانية‭ ‬المزيفة‭ ‬ليعيد‭ ‬بناءها‭ ‬من‭ ‬حديث‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬المتلقى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أعتبر‭ ‬انتصار‭ ‬للسينما‭ .‬

عبقرية‭ ‬‮«‬قناوي‮»‬‭ ‬بائع‭ ‬الجرائد‭ ‬الغير‭ ‬متزن‭ ‬نفسيا،‭ ‬هنا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬المزج‭ ‬بين‭ ‬أنها‭ ‬شخصية‭ ‬يقودها‭ ‬الهوس‭ ‬الجنسي‭ ‬والغيرة‭ ‬وارتكاب‭ ‬جريمة،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تتمتع‭ ‬بجانب‭ ‬إنساني‭ ‬نتعاطف‭ ‬معها،‭ ‬حيث‭ ‬يعيش‭ ‬صراع‭ ‬هائل‭ .‬

‮«‬قناوي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬جسده‭ ‬شاهين‭ ‬بشدة‭ ‬وإتقان‭ ‬وتفرد‭ ‬أتاحت‭ ‬له‭ ‬وظيفته‭ ‬الحديثة‭ ‬كبائع‭ ‬للجرائد‭ ‬من‭ ‬التحرك‭ ‬وسط‭ ‬أوجاع‭ ‬وأفراح‭ ‬مريدي‭ ‬المحطة‭ ‬التي‭ ‬شبّهها‭ ‬شاهين‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬الدنيا‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬تجمع‭ ‬المُحب‭ ‬والمُفارق،‭ ‬الحزين‭ ‬والسعيد،‭ ‬القادم‭ ‬والراحل‭.‬

لم‭ ‬يتمنى‭ ‬‮«‬قناوي‮»‬‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬يجعل‭ ‬‮«‬هنومة‮»‬‭ ‬تشاركه‭ ‬حلمه،‭ ‬‮«‬منزل‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬وقطعة أرض‭ ‬يزرعها‭ ‬وأبقار‭ ‬تعاونهم‭ ‬في‭ ‬الزراعة‮»‬،‭ ‬كان‭ ‬حلم‭ ‬‮«‬هنومة‮»‬‭ ‬يمشي‭ ‬في‭ ‬إتجاه‭ ‬مغاير‮»‬‭ ‬زواجها‭ ‬من‭ ‬أبو‭ ‬سريع‭ ‬وترك‭ ‬الرصيف‭ ‬بلا‭ ‬راجعة‭ ‬والعيش‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬أحبها‭ ‬والإنجاب‭ ‬منه‮»‬،‭ ‬حلمًا‭ ‬آخر‭ ‬يقوده‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬سريع‮»‬‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬‮«‬الزعيم‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يسعى‭ ‬لتكوين‭ ‬نقابة‭ ‬لحماية‭ ‬الشيالين‭ ‬وإيفاء‭ ‬حقوق‭ ‬من‭ ‬أُصيب‭ ‬نتيجة‭ ‬عمله،‭ ‬ومعهم‭ ‬‮«‬عم‭ ‬مدبولي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يروي‭ ‬حكاية‭ ‬محطة‭ ‬القطار،‭ ‬هكذا‭ ‬تمَكّن‭ ‬شاهين‭ ‬أن‭ ‬يجمع‭ ‬أحلام‭ ‬العامل‭ ‬والحبيب‭ ‬والحبيبة‭ ‬والعاشق‭ ‬العاجز‭ ‬عن‭ ‬الوصل‭ ‬لحبيبته‭.‬

يكتسب‭ ‬الفيلم‭ ‬قوته‭ ‬من‭ ‬البناء‭ ‬الدرامي‭ ‬المتماسك‭ ‬والجريء‭ ‬للغاية،‭ ‬والذي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬عديدة‭ ‬شخصيات‭ ‬تحمل‭ ‬تركيبات‭ ‬نفسية‭ ‬ثرية‭ ‬للغاية‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬خلفيتها‭ ‬الإجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬والسياسية‭.‬

ظهر‭ ‬‮«‬قناوي‮»‬‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬مكسور‭ ‬وضعيف‭ ‬محني‭ ‬الظهر‭ ‬وحيدا،‭ ‬ثم‭ ‬أظهر‭ ‬أنه‭ ‬جريح‭ ‬بالحرمان‭ ‬الجنسي‭ ‬لدرجة‭ ‬الجنون،‭ ‬وفي‭ ‬مرأى‭ ‬آخر‭ ‬نرى‭ ‬وجه‭ ‬‮«‬قناوي‮»‬‭ ‬أمام‭ ‬الشاشة‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬زجاج،‭ ‬يرجع‭ ‬‮«‬قناوي‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يسكن‭ ‬فيه‭ ‬ونجده‭ ‬يرسم‭ ‬دلو‭ ‬‮«‬هنومة‮»‬‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬الفتاة،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬‮«‬قناوي‮»‬‭ ‬يتخيل‭ ‬أن‭ ‬‮«‬هنومة‮»‬‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحجرة‭ ‬ملكه،‭ ‬يجلس على‭ ‬الأرض‭ ‬يحرك‭ ‬السروال‭ ‬حتى‭ ‬يحجب‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس‭ ‬عنه،‭ ‬في النهاية‭ ‬يشعر‭ ‬‮«‬قناوي‮»‬‭ ‬بأنه‭ ‬إنسان‭ ‬مثل‭ ‬الباقي،‭ ‬في النهاية‭ ‬يشعر‭ ‬بالسوأ،

ونقف‭ ‬عند‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬مشاهد‭ ‬السينما،‭ ‬وهو‭ ‬مرأى‭ ‬الرقص‭ ‬داخل‭ ‬القطار،‭ ‬وقد‭ ‬لخص‭ ‬الفيلم‭ ‬بالكامل،‭ ‬ترقص‭ ‬‮«‬هنومة‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬القطار‭ ‬في‭ ‬سعادة‭ ‬وهي‭ ‬توزع‭ ‬المشروبات‭ ‬الغازية‭ ‬على‭ ‬الكل،‭ ‬لترى‭ ‬‮«‬قناوي‮»‬‭ ‬حزينا‭ ‬وحيدا‭ ‬خارج‭ ‬القطار،‭ ‬فتعرض‭ ‬عليه‭ ‬مشروب‭ ‬وتبتسم‭ ‬له،‭ ‬فيرقص‭ ‬من‭ ‬الفرح‭ ‬خارج‭ ‬القطار‭ ‬وهي‭ ‬ترقص‭ ‬بالداخل،‭ ‬شاهين‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المرأى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬قناوي‮»‬‭ ‬سيظل‭ ‬منعزلا‭ ‬عن‭ ‬المجتمع،‭ ‬لن‭ ‬ينغمس‭ ‬فيه أبدا،‭ ‬وسيظل‭ ‬بالنسبة‭ ‬لكل‭ ‬شخص‭ ‬غريب‭ ‬عنهم،‭ ‬حتى‭ ‬وأن‭ ‬تصالحت‭ ‬معه‭ ‬‮«‬هنومة‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬مرأى‭ ‬آخر،‭ ‬يوضح‭ ‬رابطة‭ ‬حب‭ ‬‮«‬قناوي‮»‬‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬هنومة‮»‬‭ ‬على نحو‭ ‬رمزي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عظيم،‭ ‬عندما‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يسكن‭ ‬فيه‭ ‬يحمل‭ ‬القطة‭ ‬وكأنها‭ ‬‮«‬هنومة‮»‬،‭ ‬ويحتضنها‭ ‬بكل‭ ‬حب‭ ‬وحنان،‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬حكاية‭ ‬أحلامه‭ ‬معها،‭ ‬إلا أن‭ ‬القطة‭ ‬تخربش‭ ‬‮«‬قناوي‮»‬‭ ‬وتترك‭ ‬جرح‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬قلبه،‭ ‬مثلما‭ ‬فعلت‭ ‬‮«‬هنومة‮»‬‭ ‬معه،‭ ‬فكان‭ ‬يعاملها‭ ‬بكل‭ ‬حب‭ ‬وحنان‭ ‬لكنها‭ ‬جرحت‭ ‬قلبه‭ ‬لذلك‭ ‬قرر‭ ‬قتلها‭.‬

يأتي‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬سريع‮»‬‭ ‬ومعه‭ ‬الشرطة،‭ ‬وتجتمع‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬لتحاول‭ ‬إنقاذ‭ ‬‮«‬هنومة‮»‬‭ ‬من‭ ‬‮«‬قناوي‮»‬،‭ ‬لكنهم‭ ‬يجدونه‭ ‬يضع‭ ‬السكين‭ ‬بخصوص‭ ‬رقبة‭ ‬‮«‬هنومة‮»‬،‭ ‬يبدأ‭ ‬‮«‬عم‭ ‬مدبولي‮»‬‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬مع‭ ‬‮«‬قناوي‮» ‬‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬كأب‭ ‬له‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬هعملك‭ ‬فرح‭ ‬هائل‭ ‬أوي‭.. ‬فرح‭ ‬قناوي‭ ‬فرحك‭.. ‬أناس‭ ‬ألبس‭ ‬جلابية‭ ‬الفرح‭ ‬يا‭ ‬قناوي‭.. ‬فرحك‭ ‬يا‭ ‬قناوي‭ ‬ده‭ ‬أنا‭ ‬هعملهولك‭ ‬أجمل‭ ‬فرح‭.. ‬يلا‭ ‬دخل‭ ‬أيديك‭ ‬جوا‭ ‬الأكمام‮»‬،‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬الجملة‭ ‬تبدأ‭ ‬موسيقى‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬الشاعرية،‭ ‬ونرى‭ ‬‮«‬قناوي‮»‬‭ ‬مبتسما‭ ‬سعيدا،‭ ‬وفي النهاية‭ ‬سيحقق‭ ‬حلمه‭ ‬ويتزوج‭ ‬من‭ ‬‮«‬هنومة‮»‬،‭ ‬إلا أن‭ ‬لن‭ ‬تدوم‭ ‬سعادته‭ ‬طويلا،‭ ‬حيث‭ ‬يعرف‭ ‬أنها‭ ‬كذبة،‭ ‬ويبدأ‭ ‬في‭ ‬الصراخ‭ ‬على نحو‭ ‬مسبب للألم‭ ‬ومؤثر،‭ ‬لينتهي‭ ‬الفيلم‭ ‬بصراخ‭ ‬‮«‬قناوي‮»‬‭ ‬مكبل‭ ‬الأيدي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فقد‭ ‬حبيبته،‭ ‬ونجد‭ ‬تلك‭ ‬الفتاة‭ ‬وحيدة‭ ‬حزينة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ذهب‭ ‬حبيبها‭.‬

الأرض

توحدت‭ ‬أفلام‭ ‬شاهين‭ ‬مع‭ ‬واقعها‭ ‬الإجتماعي‭ ‬والسياسي،‭ ‬وكذلك‭ ‬مع‭ ‬وجدان‭ ‬الحشد‭ ‬بآلامه‭ ‬وأحلامه،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬الأرض‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬قدمه‭ ‬عام‭ ‬1970،‭ ‬ليعد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الأفلام‭ ‬المبنية‮ ‬‭ ‬على نحو‭ ‬جيد‭ ‬ومنطقي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الفكر،‭ ‬وتغيير‭ ‬الدراما‭ ‬إلى‭ ‬خيال‭ ‬وإبداع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإستعمال‭ ‬الجيد‭ ‬للصورة‭ ‬والموسيقى‭ ‬والمونتاج‭ ‬التي‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬سينما‭ ‬يوسف‭ ‬شاهين،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تميز‭ ‬‮«‬الأرض‮»‬‭ ‬جاء‭ ‬أيضا‭ ‬إعتمادا‭ ‬على‭ ‬كاتبه‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬الشرقاوي،‭ ‬وسيناريو‭ ‬وحوار‭ ‬حسن‭ ‬فؤاد،‭ ‬فكانت‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للفيلم‭ ‬عميقة‭ ‬وممتعة،‭ ‬فرؤيته‭ ‬الفنية‭ ‬لديها‭ ‬الحياة‭ ‬وتتجدد‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬زمن،‭ ‬وذلك‭ ‬لاحتوائه‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬الإحساس‭ ‬بمشكلة‭ ‬عضوية‭ ‬لمعاناة‭ ‬الفلاح‭ ‬المصري‭ .‬

العصفور

يأتى‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬العصفور‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يتميز‭ ‬بالجرأة‭ ‬في‭ ‬الشغل‭ ‬الفني،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رفض‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬للهزيمة‭ ‬وبعده‭ ‬إشعار علني‭ ‬الرئيس‭ ‬المتوفي‭ ‬حُسن‭ ‬عبدالناصر‭ ‬تنحيه‭ ‬عن‭ ‬منصبه،‭ ‬فخرج‭ ‬الشعب‭ ‬غاضباً،‭ ‬رافضا‭ ‬الهزيمة‭ ‬ويتمسك‭ ‬بالصمود‭ ‬والحرب‭ ‬حتى‭ ‬التحرير،‭ ‬وأصبحت‭ ‬شخصية‭ ‬‮«‬بهية‮»‬‭ ‬رمزا‭ ‬للوطنية‭ ‬ورمزا‭ ‬لمصر،‭ ‬لتجسد‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الفيلم‭ ‬بصرختها‭ ‬‮«‬لأ،‭ ‬ح‭ ‬نحارب‭ ‬لأ،‭ ‬ح‭ ‬نحارب‮»‬،‭ ‬رغبة‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬النضال،‭ ‬حيث‭ ‬تدور‭ ‬أحداثه‭ ‬قبل‭ ‬هزيمة1967‭ .‬

أما‭ ‬فيلمه‭ ‬المهم‭ ‬‮«‬الاختيار‮»‬‭ – ‬إنتاج‭ ‬1970‭ – ‬فيتناول‭ ‬لغز‭ ‬جريمة‭ ‬قتل‭ ‬كغطاء‭ ‬درامي‭ ‬للأحداث‭ ‬التي‭ ‬يطرح‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬تعاظم‭ ‬الإنقسامات‭ ‬الفكرية‭ ‬بمصر‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬نكسة‭ ‬يونيو‭ ‬المفجعة،‭ ‬دوائر‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬من‭ ‬الإبداع‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إدهاش‭ ‬المشاهد‭.‬

أما‭ ‬فيلمه‭ ‬الرائع‭ ‬‮«‬جميلة‮»‬‭ – ‬إنتاج‭ ‬1958‭ – ‬المرتكز‭ ‬إلى‭ ‬كتاب‭ ‬جاك‭ ‬فيرج‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬من‭ ‬تعذيب‭ ‬هذه‭ ‬المناضلة‭ ‬الجزائرية‭ ‬جميلة‭ ‬بو‭ ‬حيرد‭ ‬ومحاكمتها‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬الفرنسيين،‭ ‬فهو‭ ‬ميلودراما‭ ‬سياسية‭ ‬غير‭ ‬عادية‭ ‬بخصوص‭ ‬نضالات‭ ‬التحرر‭ ‬في‭ ‬البيئات‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬ولا‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬يسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬حكاية‭ ‬إمرأة‭ ‬ثورية‭ ‬مهمة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يُظهر‭ ‬أيضًا‭ ‬نضال‭ ‬الشعب‭ ‬الجزائري‭ ‬عكس‭ ‬الانتزاع‭ ‬الفرنسي،‭ ‬بل‭ ‬وتقديس‭ ‬ذلك‭ ‬النضال‭ .‬

فالصورة‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬شاهين‭ ‬مع‭ ‬كتاب‭ ‬السيناريو‭ ‬‮«‬نجيب‭ ‬محفوظ،‭ ‬يوسف‭ ‬الصيرابي،‭ ‬علي‭ ‬السركام‮»‬،‭ ‬تجسد‭ ‬فتاة‭ ‬جزائرية‭ ‬تحب‭ ‬وطنها،‭ ‬وتنضم‭ ‬للحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬لبلدها‭ ‬لتحرير‭ ‬وطنها‭ ‬من‭ ‬العساكر‭ ‬الفرنسيين‭ ‬الذين‭ ‬يحتلون‭ ‬بلادها،‭ ‬وستكون‭ ‬جميلة‭ – ‬التي‭ ‬جسدتها‭ ‬ماجدة‭ ‬الصباحي‭ – ‬أكثر‭ ‬شجاعة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬العساكر‭ ‬وطردهم‭ ‬من‭ ‬بلادها،‭ ‬وستخطط‭ ‬مع‭ ‬أصدقائها‭ ‬لتحقيق‭ ‬حلمهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إجبار‭ ‬العساكر‭ ‬الأجانب‭ ‬على‭ ‬الانسحاب‭ ‬إلى‭ ‬بلادهم‭ ‬–‭ ‬فرنسا‭ -‬،‭ ‬تبدأ‭ ‬جميلة‭ ‬وصديقاتها‭ ‬حركتهن،‭ ‬إلا أن‭ ‬العديد‭ ‬منهم‭ ‬سيقتلون‭ ‬بنيران‭ ‬الخصوم،‭ ‬وهذا‭ ‬لن‭ ‬يحبط‭ ‬إرادتهم،‭ ‬لكنهم‭ ‬سيكونون‭ ‬أقوى‭ ‬بكثير،‭ ‬ويدفعهم‭ ‬لمواصلة‭ ‬عملهم،‭ ‬ويحدث‭ ‬أمرا‭ ‬غير‭ ‬متوقع‭ ‬عندما‭ ‬يتم‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬جميل،‭ ‬ويحاولون‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المعلومات‭ ‬بخصوص‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬إليها،‭ ‬لكنها‭ ‬ترفض‭ ‬تزويدهم‭ ‬بأي‭ ‬معلومات،‭ ‬هنا‭ ‬يبدأون‭ ‬في‭ ‬تعذيبها‭ ‬للسماح‭ ‬لها‭ ‬بالتحدث،‭ ‬لكنها‭ ‬تفضل‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬تعذيبها‭ ‬ولا‭ ‬تخبرهم‭ ‬أبدًا‭ ‬عما‭ ‬تعرفه،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬جميلة‭ ‬في‭ ‬السجن،‭ ‬يختار‭ ‬أصدقائها‭ ‬والشعب‭ ‬الجزائري‭ ‬الثورة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحرير‭ ‬بلدهم،‭ ‬وينجحون‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬ويتحقق‭ ‬حلم‭ ‬جميلة‭.‬

وكأن‭ ‬لسان‭ ‬حال‭ ‬سينما شاهين‭ ‬تقول‭: ‬‮«‬الحرية‭ ‬تجعلنا‭ ‬بشر‭ ‬حقيقيين‭.. ‬والإنسانية‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬بلا‭ ‬حرية‮»‬‭.‬

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *