التخطي إلى المحتوى

محمد طلعت 

علقوا مشانقهم الإلكترونية، وهم يعقدون محاكمتهم الافتراضية، التي أصدروا فيها أحكامهم الظالمة على المجني عليهم، تاركين الجاني الحقيقي ينهش في الأجساد حرا طليقا، بعد أن صور ونشر وفضح دون أن يتحدث عنه أحد ولو حتى بكلمة لوم او حتى عتاب على تدميره لحياة اسر كاملة، تحت دعوى الحرية، التي سمحت له ولغيره باختراق خصوصية ضحاياه وحياتهم الشخصية ممسكا بيده بأداة الجريمة وهى كاميرا الموبايل سمحت له بفضح أسر كاملة ونشر أدق خصوصياتهم دون خجل أو خوف فإلى متى تستمر هذه الانتهاكات في حياتنا الشخصية دون رادع رغم أن الدستور المصري أكد على صون الحرية الشخصية وعدم المساس بها تحت اي ظرف، وجعل الاعتداء على الحرية الشخصية والخصوصية جريمة لاتسقط بالتقادم لأن الاعتداء على الشخص هو اعتداء على المجتمع فهل يكون هناك ردع لهؤلاء؟

فمع التقدم التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي أصبح البحث عن التريند هو الظاهرة والآفة التي تأكل الأخضر واليابس في مجتمعنا وأصبحت الحرية والخصوصية ضرب من الخيال، ورغم أن ذلك معاقب عليه قانونا استنادا للقانون رقم ١٧٥ لسنة ٢٠١٨ المخصص بجرائم الانترنت، وهناك جزاءات رادعة ايا كانت الجريمة التي ترتكب على منصات التعارف الاجتماعي إلا أن رغم ذلك مازالت هذه الجرائم ترتكب كل يوم دون خوف أو ردع. 

مثلما حدث لطالبة الغربية بسنت خالد التي انتحرت بسبب ابتزازها عن طريق بعض من ضعاف النفوس عن طريق تركيب صور لها باستعمال برامج تطوير الصور ثم نشروها على منصات التعارف الاجتماعي مسببين فضيحة «مختلقة» للفتاة وأسرتها وشارك فيها العديد من رواد وسائل التواصل بل ومن قريتها في نشر الشائعات في الصفحات الإلكترونية دون دليل جلي على الفتاة التي لم تحتمل انتشار هذه الصور حتى وإن كانت مزيفة فإنهارت بسبب مجتمع جعلها جانية وحاكمها وأصدر الحكم عليها بالاعدام وهم يجلسون خلف شاشاتهم الإلكترونية حتى ماتت الفتاة كمدا وقهرا، وبعد أن ماتت أعلنوا تعاطفهم معها رغم أن كل شخص نشر أو شارك في ترويج هذا الأمر هو شريك في الجريمة مع الجاني الحقيقي الذي زور وركب مثل هذه الصور وانتهك حريتها الشخصية.

هوس التريند

بسنت لم تكن الأولى التي انتهكت حريتها الشخصية وخصوصيتها ولن تكون الأخيرة فبعد يوم واحد على هذه الجريمة كنا على موعد مع جريمة أخرى وانتهاك حديث لحرمة الحياة المخصصة وهذه المرة لسيدة تعمل مدرسة في إحدى مدارس محافظة الدقهلية كانت في سفرية نيلية على ظهر مركب مع اصدقائها وزملائها ورقصت أثناء ذلك وصورها أحد المتواجدين على ظهر المركب دون إذن منها ونشر المقطع المشهود على منصات التعارف الاجتماعي، والذي تشعبت وتوسّع كالنار في الهشيم وبدأ كل شخص في الخوض في عرض وحياة تلك السيدة ووصفوها بصفات سيئة مع نشرهم للفيديو وهو الأمر الذي سبب فضيحة لتلك السيدة في المحافظة التي تعيش فيها مع تحويلها للتحقيق من قبل مديرية التعليم رغم أن المقطع المشهود تم تصويره خلال سفرية خاصة بعيدا عن عملها كمدرسة، وهو ما يدل على أن مسؤولي المديرية تأثروا بالتريند وبما تم نشره على منصات التعارف الاجتماعي فقط.

هذه السيدة التي انتهكت حريتها الشخصية أصبحت مدعى عليها أمام المجتمع، تدمرت حياتها على الإطلاق فكان أول قرار لها هو ترك الشغل كمنسقة متطوعة في إحدى مدارس الدقهلية وجلوسها في منزلها فلم تعد تستطيع أن تنزل بسبب اتهامات تراها في عيون الناس على انها جريمة لم ترتكبها، والمتهم الحقيقي هو من صورها خلسة دون إذن منها.

حياة تلك السيدة وأسرتها دمرت بالكامل فأطفالها الثلاثة لم يسلموا من الأذى النفسي الذي سببه مثل هذا المقطع المشهود فتعرضوا للتنمر من زملائهم في المساحة التي يعيشون فيها واصبحوا محبوسين داخل منازلهم لايواجهون الناس، ولم يتوقف الالم النفسي عند ذلك الحد بل أدى الأمر إلى انفصالها عن قرينها الذي لم يحتمل ما يسمعه منذ بداية نشر المقاطع المرئية على منصات التعارف الاجتماعي وكلام الناس الذي أصبح مثل الرصاص الذي ينخر في جسده، بل إن أسرتها أيضا قاطعتها ولم يعد أحد يتحدث معها على الاطلاق لتتحول حياتها لجحيم حقيقي على الأرض بسبب من وصفته بالشخص العليل نفسيا الذي صور ونشر المقطع المشهود وجعلها تواجه مثل هذه الفضائح التي جعلتها تفكر في الانتحار بسبب من دمر حياتها ومازال حتى هذه اللحظة يعيش هذا الشخص حياته، وربما يبحث عن ضحية حديثة له ينتهك حرمة وحرية حياتها الشخصية وهكذا يسعى لتدميرها نفسيا واجتماعيا، وهو الجاني الحقيقي الذي يلزم أن يتم معاقبته على ما فعله استنادا للقوانين المنظمة لذلك. 

انتهاك للخصوصية

يؤكد محمد ميزار المحامي بالنقض؛ أن التشريع جرم التعدي على حرمة الحياة المخصصة في التشريع رقم ١٧٥ لسنة ٢٠١٨ والخاص بمكافحة جرائم تقنية المعلومات فعاقب استنادا للمادة ٢٥ بالحبس مدة ليست أدنى من ستة أشهر، وبغرامة ليست أدنى من خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من اعتدى على أى من المبادئ أو القيم الأسرية فى المجتمع المصرى، أو انتهك حرمة الحياة المخصصة أو بعث بكثافة العديد من المراسلات الإلكترونية لشخص معين دون موافقته، أو عطاء معلومات شخصية إلى نسق أو موقع إلكترونى لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته أو نشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخبارًا أو صورًا وما فى حكمها، تنتهك خصوصية أى شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو خاطئة.

واضاف المحامي بالنقض؛ حتّى المادة السابقة تنطبق على كل من وضع المقاطع المرئية المخصصة بالمعلمة أو صور بسنت على منصات التعارف الاجتماعي وأساء إليهم استنادا للقانون أي أن كل من نشر أخبار أو معلومات أو مقاطع مرئية على منصات التعارف الاجتماعي وفيها إساءة لمدرسة الدقهلية كمثال تستطيع استنادا لهذه المادة مقاضاته على نشر المقطع المشهود على صفحته الشخصية ويتم معاقبته استنادا لذلك.

وأكد المحامي بالنقض؛ حتّى المادة ٢٦ من نفس التشريع تعاقب بالحبس مدة ليست أدنى من سنتين ولا تتجاوز خمس سنوات وبغرامة ليست أدنى من مائة ألف جنيه لا تجاوز ثلاثمائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعمد استعمال برنامج معلوماتى أو تقنية معلوماتية فى معالجة معطيات شخصية للغير لربطها بمحتوى منافٍ لتقاليد المجتمع، أو لإظهارها بأسلوب من شأنها المساس باعتباره أو شرفه.

وهذه المادة تنطبق أيضا على من ارتكب انتهاك لحرمة الحياة المخصصة ويتم معاقبتهم استنادا لذلك، ومن حق المتضرر اللجوء للقضاء استنادا لهذه المادة.

ويشير المحامي بالنقض؛ حتّى الجرائم المخصصة بانتهاك الخصوصية يعاقب عليها التشريع فعندما يقوم أحد الأشخاص بتصوير آخرين دون رضاهم ونشرها على منصات التعارف الاجتماعي يُعد انتهاك لخصوصيتهم فالدستور منصوص به على حماية الحياة المخصصة ولكل شخص منا حقه في صوره ولا ينبغي لأحد أن يستخدمها دون موافقته مثلما شاهدنا في قضية سيدة التجمع الخامس كمثال بعد أن صورها أحد الأشخاص داخل بلكونة شقتها ونشر صورها على منصات التعارف ليتم إعتقاله لانتهاك خصوصيتها وتصويرها دون رضاها.

أما احمد عبد الحميد الخبير القانوني فيرى؛ أن الجزاءات الحالية المخصصة بانتهاك الحقوق والحرية الشخصية تحتاج لنظرة من مجلس أعضاء مجلس النواب لتغليظها لأنها تحولت لظاهرة والعقوبات لم تعد كافية لمواجهتها لذلك يلزم أن يتم تطوير لكثير من مواد الجزاءات لأن كثيرا من الجرائم المتواجدة داخل المجتمع عقوبتها أدنى كثيرا من الجرم المرتكب.

ويؤكد المحامي بالنقض حتّى جريمة مثل واقعة النزهة التي قام فيها أحد الأشخاص والذي يعمل في محل لتصليح الموبايلات بسرقة مقاطع فيديو منزلية من إحدى السيدات التي ذهبت إليه لتصلح تليفونها وقام بنشرها على منصات التعارف الاجتماعي مسببا فضيحة للسيدة وقرينها لأنها مقاطع مرئية خاصة بهم وأيا تكن الجزاء التي سيحصل عليها سوف تكون اقل كثيرا من الجرم المشهود والذي تسبب في فضيحة لرجل وقرينته بسبب من انتهك خصوصيتهم ونشر ما لايجب أن ينشر، بالطبع تم إعتقاله في تحرك سريع من رجال وزارة الداخلية إلا أن الأمر اكبر وهو احتياجنا لقوانين أكثر ردعا.

هذه المطالبات تضع الكرة في ملعب البرلمان لأجْل تغليظ الجزاءات المخصصة بانتهاك الحرية الشخصية وخصوصا مسألة تصوير شخص من دون رضاه وتعمد نشرها على منصات التعارف الاجتماعي لأجْل تقصي تريند أو عائد جوهري أو الأضرار بصاحب الصورة، وبالفعل هناك تحركات برلمانية 

تطوير الجزاء

هذه المأساة التي تشعبت وتوسّعت على نحو يدعو للانتباه، لم تكن وليدة اليوم حيث سبق أن قدمت النائبة داليا السعدني عضو لجنة الإعلام بمجلس أعضاء مجلس النواب العديد من المرات طلب إحاطة لتغليظ جزاء التصوير لأجْل التريند مضمونة على أن الحرية الشخصية حق طبيعى وهى مصونة لا تمس وفق الدستور وانتهاكها يعاقب عليه التشريع.

واكدت عضو لجنة الإعلام والثقافة في البرلمان على أنه يجري الشغل داخل مجلس أعضاء مجلس النواب على تطوير القوانين المخصصة بانتهاك الخصوصية والتصوير والنشر بقصد التربح الشخصي مشيرة إلى أنه يلزم وقف هذه المهزلة، ومعاقبة من صور ونشر مثل هذه المقاطع المرئية من اجل التريند.

أما النائبة مرثا محروس عضو وكيل لجنة الاتصالات بمجلس أعضاء مجلس النواب فترى أنه يلزم وضع جزاءات رادعة لمرتكبي الجرائم الإلكترونية وانتهاك حرمة الحياة المخصصة.

الافتاء‭:‬ ‭ ‬تقدير ومراعاة‭ ‬خصوصيات‭ ‬الآخرين‭ ‬لازم‭ ‬شرعي‭ ‬وأخلاقيت

أكدت‭ ‬دار‭ ‬الإفتاء‭ ‬المصرية‭ ‬أن‭ ‬تقدير ومراعاةُ‭ ‬خصوصياتِ‭ ‬الآخرين‭ ‬لازمٌ‭ ‬شرعيٌ‭ ‬وأخلاقيٌ،‭ ‬ومِن‭ ‬أشكال‭ ‬تقدير ومراعاةِ‭ ‬خصوصية‭ ‬الآخرين‭: ‬عدم‭ ‬نَشْر‭ ‬المقاطع‭ ‬المُصوَّرة‭ ‬أو‭ ‬المسموعة‭ ‬عن‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياتهم‭ ‬وما‭ ‬يصنعونه‭ -‬سواء‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الصَّنيع‭ ‬مُبَاحًا‭ ‬أو‭ ‬لا‭-‬،‭ ‬فالشرع‭ ‬الشريف‭ ‬نَهَى‭ ‬عن‭ ‬نَشْر‭ ‬وإشاعة‭ ‬ما‭ ‬يُعيَّب‭ ‬به‭ ‬المرء؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬فيه‭ ‬تتبُّعًا‭ ‬للعورات،‭ ‬قال‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وآله‭ ‬وسلم‭: ‬‮«‬يا‭ ‬معشر‭ ‬مَن‭ ‬آمن‭ ‬بلسانه‭ ‬ولم‭ ‬يَدخُل‭ ‬الإيمان‭ ‬قلبه،‭ ‬لا‭ ‬تغتابوا‭ ‬المسلمين،‭ ‬ولا‭ ‬تتبعوا‭ ‬عوراتِهم،‭ ‬فإنَّه‭ ‬مَن‭ ‬اتبع‭ ‬عوراتهم‭ ‬يتبع‭ ‬الله‭ ‬عورته،‭ ‬ومَن‭ ‬يتبع‭ ‬الله‭ ‬عورته‭ ‬يَفْضَحه‭ ‬في‭ ‬بيته‮»‬

واضاف‭ ‬بيان‭ ‬الافتاء‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬منهجُ‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬الستر‭ ‬والاستتار؛‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬بذلك‭ ‬النبأ‭ ‬عن‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وآله‭ ‬وسلم‭: ‬‮«‬من‭ ‬سَتَر‭ ‬مسلمًا‭ ‬سترَهُ‭ ‬اللَّهُ‭ ‬في‭ ‬الدُّنيا‭ ‬ويوم القيامة

وتؤكد‭ ‬الدار‭ ‬أن‭ ‬الشرع‭ ‬الشريف‭ ‬إِذْ‭ ‬حَثَّ‭ ‬على‭ ‬تقدير ومراعاة‭ ‬خصوصيات‭ ‬الآخرين‭ ‬وعدم‭ ‬التَّدخُّل‭ ‬في‭ ‬شؤونهم؛‭ ‬فإنَّه‭ ‬في‭ ‬نَفْس‭ ‬الوقت‭ ‬نَهَى‭ ‬عن‭ ‬إشاعة‭ ‬الفاحشة‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وجَعَلها‭ ‬جريمة‭ ‬تستوجب‭ ‬العقاب‭ ‬فقال‭ ‬تعالى‭: {‬إِنَّ‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬يُحِبُّونَ‭ ‬أَنْ‭ ‬تَشِيعَ‭ ‬الْفَاحِشَةُ‭ ‬فِي‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬آمَنُوا‭ ‬لَهُمْ‭ ‬عَذَابٌ‭ ‬أَلِيمٌ‭ ‬فِي‭ ‬الدُّنْيَا‭ ‬وَالْآخِرَةِ‭} [‬النور‭:‬19‭].‬

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *