التخطي إلى المحتوى

حسن حافظ

ما هى حدود الإبداع؟ أم أن الإبداع طاقة بلا حدود؟ هل يحق للمبدع أن يفعل ما يشاء، ويستغل ما تمنحه له العملية الإبداعية فى التهجم على معتقدات المخالفين له؟ أم أن العملية الإبداعية لها حدودها؟ فهل هناك قيود للإبداع الروائي؟ أم أن أى هذيان يمكن حمايته بمظلة الإبداع الفضفاضة؟ كيف يمكن مواجهة ضعاف الموهبة الذين يلجأون إلى سلاح التهييج الفجة والتهجم على الأديان من أجل الشهرة وسرعة الانتشار؟ أسئلة تطل على المرأى الروائى الذى يشهد في الوقت الحاليّ انفجارا من حيث الكم، مع غياب للمعايير والأطر الحاكمة، فهل يحق للروائى أن يتهجم على معتقدات القلة ويتعمد أذية مشاعرهم تحت حجة حرية الإبداع؟

يدور النقاش ولا ينتهى بخصوص مساحة الحرية الإبداعية، وهل هى بلا قيود أم أن الأوضاع الاجتماعية والثقافية يلزم احترامها من قبل المبدع، وانحصر النقاش الذى اشتعل على مدار القرن العشرين، بين تيار يرى أن حرية الإبداع غير مشروطة، وتيار يرى أن الإبداع بما يتيحه من حرية يلقى بمسئولية ضخمة على المبدع تجبره على عدم إثارة غضب الحشود بتعمد الإساءة لمعتقداتهم، خصوصا أن المجتمعات الغربية التى تضع القيم الأساسية للعالم في الوقت الحاليّ، تضع مقاييس حرية التعبير بما يتوافق مع مصالحها، فمرة تكون الإساءة للأنبياء مسموحة تحت مظلة الإبداع كما فعلت مجلة شارلى إبدو، ومرة نرى أنه لا حرية تعبير فى ملف معاداة السامية (معاداة اليهود)، وغير ممكن لأى مبدع أن ينكر الهولوكوست (محرقة اليهود على يد مجموعات الجنود النازية)، بل إن محاولة نقاش علمية لعدد اليهود الذين راحوا فى محارق النازى، قد تؤدى بصاحبها إلى دخول محرقة لسمعته تنتهى بمنعه عن الكتابة.

ومن أشهر الروايات التى صدمت الحشد العربى المسلم فى معتقداته رواية “آيات شيطانية” 1988، للبريطانى الهندى سلمان رشدى، والتى اعتبرت من قبل قطاع واسع من المسلمين إساءة للإسلام، والتهجم على الأديان، واستغلال حرية التعبير فى الإساءة للإسلام، وتواصلت ردود الفعل الغاضبة التى وصلت قمتها مع إنتاج آية الله الخمينى فتوى بإهدار دم رشدى، وقد كانت رواية “وليمة لأعشاب البحر” 1983، للأديب السورى حيدر حيدر، قد أثارت بدورها الكثير من الخلاف، إذ سببت موجة من الخلاف فى الأوساط العربية، وسط اتهامات لحيدر باستعمال عبارات تعد إهانة للدين الإسلامى وتعمل على الخروج عليه.

وفى مصر، تعرض الكاتب الصحفى إبراهيم عيسى، لانتقادات بسبب بعض الفقرات اللغوية التى تضمنتها بعض رواياته،  ففى رواية “مولانا” ورد الكلام عن السيدة مارية القبطية زوجة وأم إبراهيم ولد الرسول عليه الصلاة والسلام، بأسلوب رأى فيها القلة صورة لا تصح مع إحدى زوجات النبى، فضلا عن اللغة المتدنية فى وصفها، مثل قوله على لسان شخصية هامشية: “هو لنا بركة إلا الست مارية القبطية، قمر مصرى من الأنفوشى وقف يثرب على رجل”، وهو ما تكرر فى رواية “سفرية الدم”، فقد جاء بشخصية صالح القبطى الذى يتعجب من أن الرسول لم يسمح له بأن يكون معه، ولا بأن يصلى من خلفه، وعرف بعدها أن المدينة تتحدث عن قبطى يخون النبى بالنوم مع مارية أم ولده، وبعدها ومع الأحداث ينتفض ابن ملجم قاتل الإمام على ويقول لصالح القبطي: وهل أنت أيها القبطى من تجرأ فلوث سرير النبى بمنيه.

الدكتور عبدالسلام الشاذلى، أستاذ النقد الأدبى الحديث والمعاصر، قال لـ “آخرساعة”: “يلزم أن يكون هناك أفق جمالى لا يتصدام مع الأفق الأخلاقى، وإن كان هناك بعض الفلتات التى يغفر لها فى حالة التمرد على التقاليد القديمة، مثل ثورة أبى نواس فى العصر العباسى عندما تمرد على القصيدة العربية القديمة، حين انتقد النهوض على الأطلال كأساس تشييد القصيدة فى الشعر الجاهلى، فصنع إبداعا جديدا بالتوغل فى مناطق لا أخلاقية أخذت عليه، لذا نقول إن الإبداع الأدبى يتعلق بما نسميه الأطراف الحدودية المعقولة فى الإبداع، والتى لا تختلف كثيرا عن الأطراف الحدودية الأخلاقية، ولذلك كان نجيب محفوظ يقول إن الرواية سلوك أخلاقى، فالرواية مرتبطة بالسلوك الأخلاقى، حتى لو صورت مشاهد لا أخلاقية، فيكون غرضها تنفيرنا من هذه المناظر اللا أخلاقية”.

وتابع الشاذلي: “الإبداع يتطلب حرية عموما، فلا إبداع دون حرية، ولكن من قال إن الحرية مطلقة؟ فالحرية مسئولية أخلاقية وفكرية، وهو نفس ما ذهب إليه سارتر فى العديد من كتبه، ما قرره فى كتابه الشهير (ما الأدب؟)”، لافتا حتّى الأديان تتيح التعبير عن المسكوت عنه فى ضوء الرؤية الأخلاقية، فالقاضى على الجرجانى سأل بعض القضاة عن سبب قراءة أشعار أبى نواس وهى تصف الخمر، فقال القاضي: إنه يقرؤها لكى يتطهر من الرغبة فى شرب الخمور، وهو رد يتطابق مع نظرية التطهر بالأدب، وهو ما نجده فى رواية “ثرثرة فوق النيل” لنجيب محفوظ، التى أراد بها توجيه اراء ناقدة جلية للمجتمع المصرى قبل نكسة 1967، وتابع: “مهما توفرت الحرية للمبدع الروائى، لكنها مسئولية على المبدع”.

من جهته، يقول الدكتور نجيب عثمان أيوب، أستاذ الأدب العربى بجامعة حلوان: “أرى أن المبدع ليس إنسانا تقليديا، بل هو بؤرة للمجتمع وضمير فنى حى، أى قادر على تجسيد هوى وآمال وآلام وطموحات المجتمع وفلسفته، فهو مسئول كالخطيب على المنبر، والواعظ فى الكنيسة، والأستاذ فى الجامعة، والإعلامى على شاشة التلفاز، ويتميز الأديب أنه لديه أدوات فنية وإبداعية ولغته غير لغتنا، فلغته فطنة متمكنة من نقل واقعية المجتمع ولكن بالواقعية الفنية، فليس دوره نقل واقع المجتمع كالكاميرا، بل دوره أكثر ضرورة إذ ينقل الواقع بلغة فنية دون أن يجرح ثوابت الناس دون أن يؤذى الناس فى أعز ما لديهم فى أخلاقهم وقيمهم الاجتماعية والعرفية والدينية.

ويضيف: “الروائى مسئول عن نقل هذه الإضاءات والإشراقات الفنية الممتعة والتى تحمل برقية مجتمعه، فهو نائب عن المجتمع يبث فيه ويؤثر فيه فى محيط رابطة جدلية بين المبدع والمجتمع، فالإنتاج الإبداعى مهما كان شكله هو ابن بيئته، ويعكسها فى عمل فنى مبدع مختلفة أشكاله، وإلا كان الفن عبثا وأداء شكليا، لذا لا أقول إن على الروائى أن يتوقف عند حدود معينة، ولكن هناك أطر وثوابت عامة للبيئة الثقافية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والدينية، والعادات والتقاليد، فالإصلاح فى الخطاب الروائى يؤدى إلى تثبيت العادات الصحية ويقلب العادات السيئة لجيدة، وكل هذا بأسلوب غير مباشرة، لذا أرى أن إثارة غضب المتلقى من قبل الفنان يقدح فى فنه وفى مقدرته بحيث يكون مبدعا قادرا على أن يوصل رسالته دون إثارة غضب المتلقى”.

ويلخص أيوب رأيه قائلا: “أرى أن يراعى المبدع الثوابت الاجتماعية والدينية، ومن يقول إنه يصف الواقع، فأقول له إنها واقعية (خيبانة) لأنها تعبر عن فشل فى القدرة على بلوَرة فنية تحتوى المتلقى، فعلى المبدع استعمال لغة حرفية قادرة على توصيل الرسالة المرادة دون مساس بمشاعر الناس بقيمهم وعقائدهم وأخلاقياتهم”.

جائزة الإبداع العــراقى ..  لطلال حسن 

الكاتب العراقى المخضرم طلال حسن، والذى يعد أحد أضخم كتاب الأطفال فى العالم العربي، فاز بجائزة الإبداع العراقى فى الدورة السادسة لها عن أدب الطفل، طلال من مواليد 1939م، وهو عضو فى نقابة الصحفيين العراقيين والاتحاد العام للأدباء والكتّاب العراقيين ونقابتى الفنانين والدراميين العراقيين، وينشر إبداعاته فى العديد من دور النشر والمجلات العربية، ومنها مجلة  فارس التى تصدر عن دار أخبار اليوم، وترأس تحريرها الزميلة هويدا حافظ، الكاتبة الصحفية والمدربة الدولية لصحافة الأطفال، ويقدم فيها بعكس الحكايات باللغة العربية، سيناريو مترجم إلى اللغة الانجليزية، وجميع  قصصه فى المجلة من رسوم ولده الفنان العراقى العظيم عمر طلال .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.