التخطي إلى المحتوى


11:06 ص


الجمعة 14 يناير 2022

دمشق-(بي بي سي):

يحتفل أهالي بعض القرى والبلدات في الساحل السوري بعيد رأس السنة الشرقي في 14 يناير من كل عام، ويطلق على هذا الاحتفال اسم عيد القوزلي، ويرتبط بعادات اجتماعية مميزة وممارسات متميزة، فما هو هذا العيد؟

يحتفل بعيد القوزلي في 14 من يناير كونه يصادف الأول من يناير استنادا للتقويم اليولياني (نسبة إلى يوليوس قيصر)، الذي كان معمولا به منذ عام 45 قبل الميلاد، حتّى تم تحديثه من قبل البابا غريغوريس الثالث عشر رأس الكنيسة الكاثوليكية حينها، والذي أصبح التقويم الموثوق منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا.

وقد ظل يحتفل بهذا العيد استنادا للتقويم اليولياني بسبب قدمه وارتباطه في الإدراك الجمعي الشعبي بطقس مغرق في القدم، وقد ورد ذكر العيد في كتاب “آثار الحقب في لاذقية العرب” الذي يرجع للقرن التاسع عشر، للعلامة الياس صالح اللاذقي.

وبطبيعة الوضع، فقد اختلفت طريقة الاحتفال بهذا العيد عبر الزمان، إذ أصبح اليوم يقتصر على زيارات يتبادلها الأصحاب والأقارب، مقرونة بتناول طعام العيد.

إلا أن على الرغم من ذلك، يقول الكاتب والباحث السوري جورج كدر “إن استمرار احتفال أهالي قرى وبلدات الساحل السوري بهذا العيد، حتى وإن لم يكن بأسلوب مماثلة لما كان عليه الاحتفال في الماضي من حيث الممارسات والعادات، له مقدار عظيمة وأهمية بالغة في دراسة الأعياد في الموروث الثقافي الشعبي”.

جذور التسمية

يقول بعض الباحثين إن كلمة قوزلي مشتقة من الكلمة الآرامية قوزلة التي تعني الطليعة، وهو تأويل يتناسب مع الاحتفال الذي يصادف بداية السنة الحديثة استنادا للتقويم اليولياني.

كما ورد في موسوعة العامية السورية أن كلمة قوزلا كلمة آشورية تعني عيد الطليعة.

إلا أن الباحث جورج كدر يرى أن للكلمة جذورا في حضارات مختلفة كالأكادية والآشورية والسريانية: “لكلمة غوزلة أو قوزلة أو قوزلتا أو قوزلتو في المعجم السرياني عديدة معاني، فمعناها الشهب والنار والجمر وكذلك اللهب، وربما هذا ما يفسر أن أحد أبرز العادات المرتبطة بهذا العيد هو إضرام النار والقفز فوقها”.

ويضيف كدر أن لهذا العيد على ما يبدو جذورا في حضارات أخرى: “لفت نظري الصديق الآشوري نيسان لازار إلى ورود الكلمة في ملحمة جلجامش السومرية، وتعني كلمة غوزالو أو قوزالو المبشر، والنذير والمنادي والمعلن والرسول، وقد كانت صفة ملكية، ونظرا للقرب بين ميلاد المسيح والاحتفال بعيد رأس السنة، فإن المعنى السومري لهذه الكلمة يعطي بعدا آخر لهذا العيد كون المسيح كان الرسول والمبشر والمعلن عن الدين المسيحي، إن أردنا ربط هذا العيد بالتقويم الميلادي”.

العيد بين الماضي والحاضر

وقد كانت لعيد القوزلي عادات مميزة وممارسات متميزة، لكنه في الحاضر اختُزل بصورة محزنة إلى يوم واحد تزور فيه العائلات بعضها، مع حماية وحفظ الأغذية التي تميزه.

السيدة ثمرة دوير ولدت عام 1942 بقرية بلوران الجميلة، وتأخذنا معها في سفرية الرجوع بذكرياتها لأيام الصبا، وتتحدث عن عيد القوزلي كما عهدته: “منذ كنا أطفالا صغارا كنا ننتظر قدوم هذا العيد بفارغ الصبر مع كل ما يحمله من احتفالات ورقص وطعام شهي، ولكن حين يبلغ المرء مرحلة الصبا، يصبح للعيد طعم آخر”.

وتشرح: “يبدأ التحضير للعيد في 13 يناير، وهو يوم الذبيحة، اليوم الذي تحضر فيه الأضاحي وتذبح لتحضير الأكل، ويتسم العيد بأكلات معينة لا من الممكن أن تخلو موائده منها، ولمنتجات القمح مثل الحنطة والبرغل والطحين الحضور الأضخم، فمائدة القوزلي تزين عادة بأطباق الكبة بأنواعها والبرغل والفطائر المشوية في التنور والمصنوعة من طحين القمح وزيت الزيتون إضافة إلى الكعك المحلى المزين بحبات اليانسون والشمر والحبة السمراء، ومعجنات مقلية ومحشوة تسمى زلابيا، وغيرها الكثير مما لذ وطاب”.

وتمضي السيدة ثمرة لتحدثنا عن يوم 14 أول أيام العيد: “كل البيوت تكون قد بدأت بإعداد موائد الطعام الشهي ويبدأ العيد باختيار أحد البيوت الواسعة ليستطيع استضافة كافة شبان وشابات القرية، نذهب في الصباح الباكر، نحتسي القهوة، وعلى ذلك تضرم النار في الفناء وتطبخ الحنطة واللحم، وتعقد حلقات الدبكة على وقع ضربات الطبل، وعزف المزمار، ويستمر الرقص والدبكة والغناء حتى المساء، يتخللها بالطبع تناول أصناف الطعام الشهي، ويتكرر هذا المرأى لستة أيام، كل يوم في منزل حديث، يبدأ منذ الصباح الباكر ويستمر حتى المساء”.

“من القوزلي إلى القداس”

إذا فالعيد بصورته الأصلية كان يمتد لستة أيام كما تقول السيدة ثمرة “من القوزلي إلى القداس”، واليوم السادس وهو يوم القداس، يتميز بعادات متميزة: “في الساعة الرابعة فجرا من اليوم السادس للاحتفال الذي هو يوم القداس يذهب الشبان إلى مجرى مائي أو نبع، بينما تختار البنات نهرا أو نبعا آخر، حين أتذكر ذلك الطقس أكاد لا أصدق أننا كنا نمارسه، إذ كنا نغتسل بمياه النهر أو النبع شديدة البرودة في أكثر أشهر السنة برودة، لكننا لم نكن نشعر بالبرد مطلقا، ربما لأنه طقس روحاني، إذ كانت تنتابنا مشاعر غريبة بالرضا والدفء الداخلي”.

وتشرح السيدة ثمرة كيف كانت تستمتع بكل ما يحمله يوم القداس: “بعد ذلك تكون البنات قد جلبن باقات من الميرمية وأغصان الزيتون والريحان، يغطسنها في الماء في ذلك اليوم المقدس ويحملنها إلى منازلهن، كانت تلك الباقات تبقى سنة كاملة حتّى نستبدلها بباقة حديثة في العيد الأتي، كنا نعتقد أن تلك الباقات تحصن البيوت من الشرور، وتمنحها نوعا من البركة”.

وبالطبع الطقس الأكثر ضرورة في ذلك اليوم هو السبب المباشر في تسميته، إذ يزور الناس فيه أضرحة القديسين ومقامات الأولياء الصالحين، يدعون ويتضرعون لله، ويقدمون الأضاحي والقرابين.

النار والماء والرقص وعادات التطهير
كما في كثير من الاحتفالات التي تحمل بصورة أو بأخرى بعدا دينيا أو ربما روحانيا، لا بد من عادات التطهير التي تتعلق غالبا بالماء والنار.

يقول الباحث جورج كدر: “من المعتاد أن يكون لإضرام النار بعد تطهيري، فهي تُضرم، وفي بعض الأحيان يقفز الأشخاص فوقها، كممارسة شكلية لطرد الأرواح الشريرة”.

ويضيف: “أما الماء فهو دائما وأبدا نموزج للتطهر، وطقس الإغتسال بمياه الطبيعة ما هو إلا كناية عن غسل الذنوب وتخليص الإنسان من الخطايا”.

ويخلص كدر للقول: “رغم أن المرء قد لا يدرك ضرورة الرقص والدبكة التي هي من عادات عيد القوزلي، إلا أنه في الأعياد الشعبية المستمرة من مئات وآلاف السنين ينطوي أيضا على بعد تطهري. فالرقص وهز الجسد حالة ينفض فيها الانسان عن كاهله الشرور والذنوب، إضافة إلى ما يحمله من تعاضد وتكافل اجتماعي من خلال شبك الأيادي وتلاصق الأكتاف”.

ورغم أن عيد القوزلي ربما لم يعد يحمل نفس القدر من الدفء الاجتماعي والتواصل، إلا أن استمراره حتى اليوم في حد نفسه أمر مبشر، في ظل تبدل حياة معظم البشر إلى الحالة الافتراضية نتيجة الثورة التقنية التي يشهدها العالم.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.