التخطي إلى المحتوى

لندن- (بي بي سي):

هل من الممكن أن يساعد فهمنا لأعماق المحيطات في حل ألغاز الفضاء الخارجي؟ مهمة ناسا الفضائية تقودنا إلى أعماق غير مستكشفة في كوكبنا.

تغطي المحيطات أكثر من 70 في المئة من سطح الأرض، إلا أن أكثر من 80 في المئة منها لا يزال غير مستكشف. في الواقع، غالبًا ما يُقال إننا نعرف عن سطح المريخ والقمر أكثر مما نعرفه عن قاع المحيطات على كوكبنا!

إلا أن وكالة ناسا في مهمة لتغيير ذلك، إذ تستكشف وكالة الفضاء الأمريكية أعماق المحيطات للبحث عن دلائل لما من الممكن أن تبدو عليه المحيطات على الكواكب الأخرى، ودفع حدود العلم والتقنية في إحدى أكثر البيئات قسوة على كوكبنا. إنها مهمة مليئة بالمخاطر والعجائب، وخطر التفجير الداخلي الذي لا يلزم الاستهانة به على الإطلاق بسبب الضغط الهائل في هذه الأعماق السحيقة.

وهناك أمل في أن تساعد الاكتشافات تحت الماء في حل بعض الألغاز في الفضاء الخارجي، مع امتحان بعض المعدات والتجارب اللازمة للبعثات في أماكن أخرى من النظام الشمسي.

وتشبه أعماق محيطات الأرض على نحو مذهل بعض الظروف التي تتوقع وكالة ناسا إيجادها في عوالم أخرى في نظامنا الشمسي. بل ومن الممكن للمحيطات حتى أن تقدم دلائل بشأن المكان الذي يلزم أن يبحث فيه العلماء عن حياة في الكواكب الأخرى.

وتُعرف أعمق أجزاء محيطات الأرض بـ “مساحة هادال”، والتي سُميت على اسم “هاديس”، الإله اليوناني للعالم السفلي، وهي مكان محظور يستحق هذا الاسم في حقيقة الأمر.

وتتكون “مساحة هادال” من خنادق وأحواض عميقة، وتمتد لمسافة 11 كيلومترًا (6.8 ميلا) تحت سطح محيطات العالم. وبشكل تراكمي، فإنها تمثل مساحة من قاع البحر تعادل مساحة أستراليا. ومع ذلك، غير ممكن إلا لعدد قليل فقط من المركبات النجاة من الغرق في هذه الهاوية المظلمة.

وهنا، يحاول علماء ناسا، بالشراكة مع معهد وودز هول لعلوم المحيطات في ماساتشوستس، استكشاف حدود الحياة على الأرض. وحتى اللغة التي يستخدمها العلماء في بعثاتهم إلى هذه المساحة تشترك في الكثير من المصطلحات المستخدمة في عملية استكشاف الفضاء – فقد بعث علماء الأحياء البحرية في السنوات الأخيرة العديد من “مركبات الهبوط” المجهزة بأجهزة استشعار وكاميرات للهبوط على أرضية مساحة هادال، والحصول على بعض القياسات.

إلا أن مهندسين من مختبر الدفع النفاث الموالي لوكالة ناسا في جنوب كاليفورنيا يبنون مركبة حديثة ذاتية القيادة تحت الماء تسمى “أورفيوس”، على اسم البطل اليوناني القديم الذي سافر إلى العالم السفلي وعاد منه، لرسم خريطة للأعماق التي يصعب الوصول إليها.

وباستخدام تقنية ملاحة مرئية مماثلة لمركبة “برسفيرنس مارس روفر”، تستخدم مركبة “أورفيوس” كاميرات حساسة للغاية لتحديد التكوينات الصخرية والأصداف والأشياء الأخرى في قاع المحيط لتأسيس خرائط ثلاثية الأبعاد عليها نقاط لبعض المعالم الجلية تميزها (أو ربما قاع البحر).

ويتيح ذلك للروبوت أن يجد طريقه ويتعرف على الأماكن التي كان عليها فعليا، إلا أن يلزم معاونته أيضا في إلقاء ضوء حديث على التنوع البيولوجي لهذه البيئة القاسية. يقول تيم شانك، عالم الأحياء المختص في أعماق البحار والذي يتولى قيادة برنامج استكشاف مساحة هادال الموالي لمنظمة الصحة الدولية: “إذا نجحت مركبة أورفيوس في مهمتها فلن يكون هناك مكان في المحيطات لا يمكنك الذهاب إليه”.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها شانك الوصول إلى الأعماق المظلمة لمنطقة هادال. ففي عام 2014، بعثت المركبة السابقة لـ “أورفيوس”، والتي كانت تحمل اسم “نيريوس” إلى خندق كيرماديك، الذي يقع شمال شرق نيوزيلندا. وانفجرت المركبة تحت الماء على عمق 10 كيلومترات (6.2 ميلا)، ويرجع ذلك على الأرجح إلى الضغط الهائل.

يقول شانك عن ذلك: “بعد 12 ساعة، رأيناها تبدو على شكل قطع ضئيلة”، مضيفًا أن خسارة المركبة “نيريوس” جعلهم يعيدون التفكير في كيفية استكشاف أعماق البحار.

أما مركبة “أورفيوس”، التي يصل حجمها إلى حجم الدراجة الرباعية ويزن حوالي 550 رطلاً (250 كغم)، فقد صُممت لتكون أخف وزنا وأصغر حجما وأرخص سعرا بكثير من المركبات السابقة تحت الماء. ومن شأن هذا أن يجعلها أكثر رشاقة أيضًا، وهو ما يسمح لها بالوصول إلى الخنادق وفتحات التهوية في قاع البحر التي لم تُستكشف من قبل.

ولفترة طويلة، كان علماء الأحياء البحرية يعتقدون أن الحياة في مساحة هادال مستحيلة، إلا أن عندما بدأت الغواصات في أعماق البحار تغامر بدخول المساحة في النصف الأول من القرن العشرين، أصبح من الجلي أنه يمكن لبعض الكائنات البحرية أن تعيش هناك.

إلا أن كان لا يزال هناك اعتقاد بأن جميع الكائنات الحية تعيش من خلال سلسلة غذائية تغذيها في النهاية عملية التمثيل الضوئي. وتقوم النباتات والطحالب وبعض البكتيريا البحرية المتواجدة في المياه السطحية بتغيير طاقة الشمس إلى سكريات تخزنها في مادتها العضوية، التي تأكلها الحيوانات آكلات الأعشاب، والتي بدورها تأكلها الحيوانات آكلة اللحوم.

وقد كان العلماء مقتنعين بأن الكائنات الحية في قاع المحيطات نجت من المواد العضوية الميتة – جسامين الحيوانات والفضلات والسقوط المستمر للمخلفات العضوية الأخرى أو “الثلج البحري” المنجرف من فوق. إلا أن كان يُعتقد أنه لم يكن هناك ما يكفي من الغذاء للمحافظة على أي شيء في طريق الكائنات البحرية، وقد كان يُعتقد أن أعمق المناطق ستظل مظلمة وباردة للغاية مدى الحياة.

إلا أن هذا التصور لأعماق المحيطات تغير في عام 1977، عندما أسقط فريق بحث أمريكي مركبة تعمل من مسافة بعيدة إلى عمق يصل إلى 8,000 قدم (2,440 مترًا) في المحيط الهادئ. وقد كانت المركبة تسعى لالتقاط صور للفتحات الحرارية المائية، حيث تتسرب السخونة من النشاط البركاني من قاع المحيط.

واكتشف العلماء أنظمة بيئية نابضة بالحياة بشأن هذه الفتحات، تعج بالكائنات البحرية، مثل سمكة الحلزون الشفافة ومزدوجات الأرجل، والقشريات الضئيلة الشبيهة بالبراغيث، والتي لم يسبق رؤيتها من قبل.

يقول شانك: “مع هذا الاكتشاف، وجدنا طريقة حديثة تمامًا للعيش على الأرض. هذه حيوانات لا تحتاج ضوء الشمس المباشر، فهي تعيش على المواد الكيميائية المنبعثة من قاع البحر”.

وقد كان العلماء في حيرة من أمرهم: كيف يمكن لهذه الأنواع في مساحة هادال أن تتحمل مثل هذا الضغط الهائل؟

يقول شانك: “الضغط يصل إلى 15,000 رطل لكل بوصة مربعة. إنه مكثف لدرجة تؤدي إلى عصر وانفجار الخلايا الفردية للحيوان”.

ومنذ رؤية ذلك لأول مرة في عام 1977، اكتشف العلماء أن الكائنات الحية التي تعيش في مثل هذه الأعماق قد تكيفت على المستوى الخلوي للبقاء على قيد الحياة هناك، كما يقول شانك.

وتحتوي الكائنات الحية المتواجدة في مساحة هادال، مثل القشريات العملاقة ذات الأرجل الثنائية وسمك الحلزون، على إنزيمات تسمى “البيزوليت” (من الكلمة اليونانية “بيزين” التي تعني الضغط)، وهي الإنزيمات التي تمنع أغشية الخلايا الخلوية والبروتينات من الانهيار تحت الضغط المرتفع للغاية.

وتقاوم إنزيمات البيزوليت الضغط عن طريق زيادة المساحة التي تشغلها البروتينات داخل خلايا الكائن الحي لمقاومة وزن الماء المحيط بها. يقول شانك: “الأمر أشبه بوضع أوتاد في خيمة”.

كانت “ألفين” أول مركبة تعمل عن بُعد تستكشف الأحداث المائية الحرارية عندما غاصت في قاع البحر العميق في عام 1977

إن اكتشاف الكائنات الحية التي لا تستطيع البقاء على قيد الحياة فحسب، بل تزدهر في مثل هذه البيئة القاسية أيضا، يحرض أسئلة مهمة لعلماء الأحياء الذين ينظرون إلى ما وراء عوالم كوكبنا – ربما يوجد أيضًا في عوالم المحيطات الأخرى.

وتحت السطح الجليدي لقمر كوكب المشتري، ويحمل هذا القمر اسم “أوروبا”، يوجد محيط من المياه المالحة يُعتقد أن عمقه يتراوح بين 40 و100 ميل (من 60 إلى 150 كيلومترًا) ويحتوي على ضعف كمية المياه التي تحتويها جميع محيطات الأرض مجتمعة. ولا يخترق ضوء الشمس أسفل الغطاء الجليدي السميك للقمر “أوروبا”، والذي تتقاطع فيه الشقوق والكسور. وتحت القشرة الجليدية، يكون الضغط مشابها للضغط على مساحة هادال.

يقول شانك: “لدينا هنا قمر أوروبا على الأرض. لم أكن أفهم كيف يمكننا القيام بالاستكشاف على القمر أوروبا، حتى فعلنا ذلك على الأرض”.

ومن الممكن للروبوت القادر على استكشاف مساحة هادال على الأرض أن يفعل الشيء نفسه على قمر متجمد يبعد 628.3 مليون كيلومتر (390.4 مليون ميل).

يقول راسل سميث، مهندس من مختبر الدفع النفاث الموالي لوكالة ناسا، والذي كان أحد أفراد الفريق الذي بنى مركبة “أورفيوس”: “يمثل قاع المحيط امتحانًا رائعًا لنا لتطوير التقنية التي نحتاجها لأجْل تقصي مهمة ناجحة في أحد عوالم المحيطات هذه”.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *