التخطي إلى المحتوى

محمد كمال

هناك مخرجون أسمائهم خالدة رغم أن عدد الأفلام التي قدموها ليست كثيرة ولا تتوافق مع سنوات نشاطهم، فقد كان تأثيرهم في الكيف وليس في الكم، وإذا قمنا بإعداد لائحة لهؤلاء المخرجين في مصر، بالتأكيد يأتي في مقدمتهم داود عبد السيد، فخلال 37 عاما منذ عرض أول فيلم روائي طويل له عام 1985 ظل في سجله حتى اليوم 9 أفلام روائية طويلة فقط، داود عبد السيد من المخرجين الذين من الصعب أن تحدد أو تختار الفيلم الأمثل له، فهو من الأسئلة المحيرة والتي أعتقد لم يستطع الكثيرون الإجابة عليه، فهل الكيت كات أم أرض الخوف أم سارق الفرح، ونترك القوس مفتوحا..

داود عبد السيد مخرج بدرجة مفكر مخلص لسينما المؤلف (8 أفلام من أصل 9 تأليفه)،ويعبر عن أفكاره وأحاسيسه وهواجسه وهمومه على الشاشة الفضية، التي هي بالضرورة أفكار وأحاسيس وهواجس وهموم المواطن المصري العادي، الذي ينتمي للطبقة المتوسطة واقترانه بمجتمعه وبأزماته النفسية وعلاقته بالسلطة، يقوم بتشريح النفس البشرية بعمق من خلال يطرح يجمع بين مقدرات الخير ونوازع الشر بعيدا عن الشخصيات النمطية المثالية.

ينتمي داود عبد السيد لجيل الثمانينيات الذي أطلق عليهم الواقعية الحديثة، هذا الجيل الذي يعد الأمثل في تاريخ الفن المصري في شتى مجالاته، وخصوصا على صعيد السينما من خلال مجموعة من المخرجين وكتاب السيناريو الذين أقتربوا منتصف العمر، لكنهم يحملون زخم التجربة، فهذا الجيل الذي عاصر التحولات المعاصرة على المستوى السياسي والتقلبات الاقتصادية وتابعوا بإهتمام الإنحدار المجتمعي وصعود التيارات المتشددة، فقد كانت الطليعة مع ثورة يوليو وحركة الضباط الأحرار عام 1952، ثم القرارات الإشتراكية في بداية الستينيات، ثم الهزيمة في 67، وحرب الاستنزاف، ثم انتصار أكتوبر 1973 المجيد، ثم عصر الانفتاح في منتصف السبعينيات، وبعده معاهدة السلام في 79، وصولا إلى الثمانينات، وبداية مسيرة التطوير التي صاحبها حالة من الركود الطويلة، كل هذه الأحداث خلال 4 عقود كان داود عبد السيد أحد المعاصرين والذين عبروا عن كل هذا خلال مسيرته السينمائية.

داود عبد السيد من المخرجين القلائل المخلصين للسينما فلم يفكر في الجنوح عنها أو اللجوء إلى التليفزيون أو المسرح، حتى في أقوى أزماتها، خصوصا في بداية التسعينيات، فقد ظل متمسكا بمعشوقته وظل يحارب لأجْل الإستمرار، ومن القلائل الذين – وعن قصد – في أفلامهم كسروا التابوهات الثلاث في السينما المصرية (السياسة – الدين – الجنس)، تلك المحظورات التي ترفض السينما التعامل معهاأو مجرد فكرة الاقتراب منها، دخل في معارك وصولات وجولات مع الرقابة أولا، ثم مع الرقابة المجتمعية ثانيا، ثم الرقابة الفئوية ثالثا، لم يلتفت لكل تلك الوصايا التي تفرد أجنحتها لأجْل عرقلة مسيرة الفن وتقليص دوره في المجتمع، إلا أن أفلام داود كانت من ضمن الأسلحة التي حاربت وناضلت لأجْل حماية عرين السينما المصرية.

رغم تعاون داود عبد السيد مع العديد من النجوم، إلا أن هناك ممثلين ظهروا بصورة مميزة معه عن أي أعمال أخرى، وفي مقدمتهم لوسي التي اكتشفها داود عبد السيد كممثلة وليست مجرد راقصة، وأيضا خالد أبو النجا الذي كتب شهادة ميلاده كممثل موهوب مع داود، وبالطبع المطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم، وأيضا المسابقة الرياضية المطلقة الأولى لآسر ياسين وبسمة، وكذلك النجوم الكبار فقد ظهرت فاتن حمامة بصورة مختلفة أمام كاميرا داود ونفس الوضع أحمد زكي ومحمود عبد العزيز ويحيى الفخراني، وهناك ممثلون آخرون قدموا ادوار عمرهم مع داود يأتي في مقدمتهم صلاح عبدالله في دور من خلال دور الصول فتحي، وحمدي غيث “المعلم هدهد” ومحمد لطفي في دور “قابيل”، وكذلك الظهور المغاير لفنانين مثل فوز الموجي وعلي حسانين وأحمد كمال.

وقد كان لداود عبد السيد شركاء دائمين خلال مشواره، كان دائم التعاون معهم، وارتبطت أعماله بهم وارتبطوا هم أيضا به، مثل الكثير الموسيقار راجح داود ومهندس الديكور أنسي أبو سيف ومدير التصوير سمير بهزان.

بدأ داود عبد السيد مسيرته مع الأفلام الروائية الطويلة عام 1985 بفيلم “الصعاليك” الذي شارك في بطولته نور الشريف ومحمود عبد العزيز ويسرا ومها أبو عوف، ثم غاب عن السينما لفترة 6 أعوام وعاد عام 1991 بفيلم “البحث عن سيد مرزوق” والذي كان من مسابقة نور الشريف أيضا ومعه آثار الحكيم ولوسي وعلي حسانين، وفي نفس العام قدم داود فيلمه الأشهر والأكثر نجاحا على المستوى الجماهيري وهو “الكيت كات” المأخوذ عن رواية “مالك الحزين” للكاتب إبراهيم أصلان، والتي قدمها داود برؤية مختلفة عند معالجتها في السينما، ذلك الفيلم الذي ارتبط به الحشد من خلال شخصية “الشيخ حسني” الكفيف خفيف الظل المنطلق في المدينة غير مباليا بإعقاته، وشارك في مسابقة الفيلم محمود عبد العزيز وشريف منير وعايدة رياض وأمينة رزق ونجاح الموجي وعلي حسانين، وحصل هذا الفيلم على الجائزة الذهبية لأفضل فيلم من مهرجان دمشق السينمائي عام 1991.

وفي عام 1993 قدم داود فيلم “أرض الأحلام” الذي شاركت في بطولته “سيدة الشاشة العربية”، فاتن حمامة، مع يحيى الفخراني وهشام سليم،والذي يعتبر من أشهر الأفلام في تاريخ السينما المصرية التي تدور بشأن فكرتين، “الليلة الواحدة” و”رأس السنة”، فهو يدور في ليلة رأس السنة عندما تفقد “نرجس” جواز السفر المخصص بها قبل طائرتها بساعات قليلة، وتبدأ سفرية البحث عنه بمشاركة “رؤوف” الساحر غريب الأطوار الجامح في شوارع العاصمة، وتبقى جملة “هابي نيو يير يا نرجس” في ذاكرة الحشد حتى اليوم، ويعد فيلم “أرض الأحلام” التجربة الوحيدة التي لم يكتب لها السيناريو والحوار داود عبدالسيد، فالفيلم من تأليف هاني فوزي.

ثم يأتي “سارق الفرح” ليحمل الرقم 5 ضمن سلسلة أفلام داود عبد السيد الروائية الطويلة، حيث قدمه عام 1995، والذي شارك في بطولته لوسي ومحمد هنيدي وحنان ترك وماجد المصري وعبة كامل، والفيلم مأخوذ عن رواية للكاتب خيري شلبي، ويعد من أكثر تجارب داود جنوحا إلى الكوميديا.

يغيب داود بعد السيد عن السينما مرة ثانية، قبل أن يرجع ويدخل الألفية الحديثة بتحفته الحديثة “أرض الخوف”، الذي يعتبره الكثيرين من النقاد من أفضَل الأفلام في تاريخ السينما المصرية، ذلك الفيلم الذي قام ببطولته أحمد زكي وقدم خلاله أحد أفضل أدواره في تجربة حديثة على السينما المصرية، ومن الممكن أن يتم النظر لها من أكثر من منظور من خلال فكرته التي تعتمد على زرع ضابط شرطة  في العالم السفلي بأضخم تجارة محرمة، وهي تجارة المخدرات، ليتحول إلى إنسان تالف تحت مسمى مهمة غريبة تحمل اسم “أرض الخوف”، تلك التجربة الفلسفية الإنسانية العميقة التي تحمل خيط رفيع بين اختيارات الإنسان وما يحمله من خير وشر في نفس الوقت، وحصل داود من خلال هذا الفيلم على جائزتي أفضل إخراج وسيناريو من مهرجان “القاهرة السينمائي”عام 1999.

وفي عام 2001 قدم داود فيلمه البديع “مواطن ومخبر وحرامي” الذي شارك في بطولته خالد أبو النجا وصلاح عبدالله وشعبان عبد الرحيم والتونسية هند صبري، ذلك الفيلم الذي يعبر عن رابطة المواطن بالسلطة وبالآخر، من خلال رابطة غريبة ونادرة تجمع بين مواطن ومخبر وحرامي، حيث يتشاركون الحياة ويتبادلون الأدوار كأنها رؤية متعمقة من داود بشأن انصلاح الوضع الذي أصبح متعلق بتفاهمات تجمع بين ثلاثي أطراف اللعبة.

يغيب داود عن السينما للمرة الثالثة، إلا أن هذه المرة لفترة 9 أعوام، قبل أن يرجع في 2010 بفيلم “مراسلات البحر” الذي كان من المقرر أن يتولى بطولته أحمد زكي، إلا أن وفاته جاءت مع إستمرارية إرجاء المشروع للبحث عن سبل للإنتاج،وقبل أن يبدو إلى النور، والذي قام ببطلوته آسر ياسين وبسمة ومحمد لطفي ومي كساب وسامية أسعد، ثم غياب رابع يشهده داود قبل الرجوع عام 2015 بفيلم “قدرات غير عادية” الذي شارك في بطولته خالد أبوالنجا ونجلاء بدر وعباس أبو الحسن.

ثم جاء الغياب الخامس لداود عبد السيد الذي بدأ عام 2015 ومازال مستمرا حتى اليوم، أي أنه كسر حاجز السبعة أعوام، قبل أن يفاجئ الجميع ويعلن في أحد البرامج التليفزيونية اعتزاله الذي جاء باعتبار الصدمة لكل محبين وصناع السينما.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.