التخطي إلى المحتوى


01:51 م


الجمعة 07 يناير 2022

رام الله – أ ش أ

ما أن تطأ قدماك البلدة القديمة بمدينة الخليل التاريخية الواقعة بجنوب الضفة الغربية المحتلة وتسير في شوارعها العتيقة، ستدرك المعنى الحقيقي للفصل العنصري “الأبارتهيد” الذي لن تراه في أي مكان آخر في العالم بعد سقوط جدار برلين الذي قسم العاصمة الألمانية شطرين شرقية وغربية، وسقوط نسق الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

الخليل، مدينة تختصر مأساة فلسطين ومعاناة الفلسطينيين، فحيثما ذهبت في شوارعها وجدت جدرانا فاصلة وأسلاكا شائكة ليس أمام عينيك فقط بل وفوق رأسك في بعض الأحيان، فبسيرك في أحد شوارع البلدة القديمة ستلاحظ أسلاكا فوق رأسك وقد تندهش إذا علمت أن ملاك المحال التجارية هم من وضعوا هذه الأسلاك هذه المرة، وليس الانتزاع، ولكن لحماية أنفسهم وما تبقى لهم من زبائن من اعتداءات المستوطنين.

ومن يزور البلدة القديمة في الخليل، لا من الممكن أن يكون مبالغا إذا وصفها بـ “مدينة أشباح”، فالمحال المقفلة تفوق بكثير في عددها تلك التي تعمل.

وبسؤال أحد أصحاب المحال التجارية في المدينة عن سبب إغلاق هذا العدد العظيم من المتاجر، قال إن بعضها مقفلة بأوامر عسكرية وبعضها أغلقها أصحابها نظرا لقلة المترددين عليها بسبب المشاحنات المستدامة بين المستوطنين وسكان البلدة.

وتشير معلومات رسمية فلسطينية حتّى عدد المحال التجارية المقفلة في البلدة القديمة يبلغ حوالي 1500 محل من ضمنها 512 تم غلقها بأوامر عسكرية.

– بوابات أمنية إلكترونية كحواجز المعابر على مداخل الشوارع

يقول زيدان الشرباتي، وهو أحد أهالي شارع الشهداء الواقع في وسط مدينة الخليل، إن لا أحد يستطيع أن يدخل إلى شارع الشهداء الذي يسكن فيه إلا ساكنوه فقط، وبموجب أرقام أعطاها لهم الانتزاع غير مرتبطة بهوية، وهذا ما يشعر أهالي الشارع بعنصرية الانتزاع البغيضة كونه جردهم من إنسانيتهم ويتعامل معهم كـ “أرقام” فقط.

وأضاف الشرباتي “في بعض الأحيان.. عندما تكون هناك مشاحنات.. في عام من الأعوام.. لم يستطع أقاربي زيارتي في منزلي الذي هو ملك لي.. لك أن تتخيل الحياة التي نعيشها”.

– منازل ذات إطلالات مزدوجة

حتى لا يذهب الخيال بعيدا إلى منتجع من منتجعات الصفوة التي امتلأت بها ربوع الأرض، فالمنازل ذات الإطلالة المزدوجة في الخليل القديمة لها وجهان أحدهما يطل على شارع عادي لديها فيه حرية الحركة نسبيا، والآخر يطل على مستوطنة أو حي يمنع الفلسطينيون من السير فيه وهذا يستحيل أن تفتحه إلا إذا كنت تغامر بحياتك.

ويقول ناصر أبو منشار وهو يرمم منزل أجداده، الكائن بشارع الشلالة القديم والمبني منذ ما ليس أدنى من 150 عاما، إنه اضطر إلى فتح بوابة حديثة للبيت غير بوابته القديمة التي باتت تطل الآن على مستوطنة.

الأمر نفسه ينطبق على حمام التنعم، وهو حمام تركي قديم في فلسطين يرجع تاريخ بنائه إلى عام 1873 ميلادي ويخضع للترميم في الوقت الحاليّ، إذ يقول سمير القصراوي المشرف عليه وأحد أحفاد ملاكه الأصليين إنه يقوم بترميمه في الوقت الحاليّ حتى يعيد جلب الزوار والسياح إلى المكان.

ويقول القصراوي إن الحمام المقام على مساحة 1100 متر مربع والمكون من قبب زجاجية وأجراس يطل على جهتين جهة يسمح له بالدخول منها (وهي الجهة الخلفية) والجهة الأخرى (الأساسية) تطل على شارع الشهداء والذي لا يستطيع أن يطأه بقدميه بعد أن كانت بوابة الحمام الأساسية تطل عليه.

وذكر القصراوي أن هذا الحمام التاريخي كان يزف منه العرائس ووجهاء الخليل وصولا إلى المسجد الإبراهيمي حيث كان يتم عقد القران (كتب الكتاب) حتّى أحرقه متطرفون يهود خلال الانتقاضة الثانية قبل حوالي 20 عاما.

– عفوا.. لا أشعر بالأمان

وتقول امرأة فلسطينية من أهالي المدينة القديمة في الخليل إنها لا تشعر بالأمان عندما تضطر إلى الرجوع ليلا إلى منزلها في ظل مرورها بشوارع المدينة القديمة الخاوية على عروشها بعد أن هجرها الزبائن والزوار بفعل القلاقِل الناجمة عن اعتداءات المستوطنين.

وبسؤالها على مقربة من بوابة منزلها عما إن كان المستوطنون يتجولون في شوارع البلدة القديمة ويشكلون تهديدا حقيقيا لها أشارت بيديها إلى معرفة إسرائيل وقالت “ها هو العلم.. بجوار بيتي” في دلالة منها إلى حرية الحركة التي يتمتع بها المستوطنون في البلدة القديمة.

– التقسيم نال من جميع الأشياء حتى المسجد الإبراهيمي

لم تخضع الشوارع والأزقة فحسب للفصل، حتى الحرم الإبراهيمي ناله من التقسيم ما ناله، زمانيا ومكانيا، فمنذ مذبحة الحرم الإبراهيمي التي ارتكبها المتشدد والغير معتدل باروخ جولدشتاين في عام 1994، وقتله 29 مصليا، وينقسم الحرم إلى جزءين جزء مخصص لصلاة المسلمين والآخر لليهود وتشكل مساحته حوالي 60% ولا يسمح للفلسطينيين بدخوله.

وتفرض إسرائيل إغلاقا شاملا على المسجد ومحيطه في الأعياد اليهودية وقد انعكس ذلك سلبا على السياحة الدينية للمسجد بفعل الإجراءات المشددة التي تفرضها إسرائيل على زوار المسجد من المسلمين.

– الخليل توأم القدس

ويقول الصحفي الفلسطيني جهاد القواسمي، وهو أحد أهالي الخليل وأبرز المتخصصين في شأنها، إن القدس والخليل مدينتان تعيشان نفس الظروف السياسية وهو سيطرة الانتزاع الكاملة على البلدتين القديمتين فيهما، ونشر بؤر استيطانية وسط السكان الفلسطينيين، وانتشار الحواجز العسكرية ونقاط مجموعات الجنود المسلحة، والتضييق على المواطنين الفلسطينيين، مقابل توفير سبل الراحة والحركة للمستوطنين.

وأضاف أن 70 % من أهالي القدس من عشائر الخليل، وهذا إضافة إلى العامل الديني فالقدس تحتضن الحرم القدسي بينما تحتضن الخليل الحرم الإبراهيمي ولذلك هما توأم “سيامي” غير ممكن فصله ومن هذا المنطلق يأخذ الانتزاع الخليل كحقل تجارب لما سيحصل في القدس والمسجد الأقصى مستقبلا.

وقال إن الانتزاع خلق جيبا استيطانيا يهوديا خالصا في هذه المدينة حيث ربط بؤره الاستيطانية في قلب المدينة ابتداء من البؤرة الاستيطانية في “تل رميدة” الأثري والمسماة “رامات يشاي” ثم بؤرة “منزل هداسا” مرورا بمدرسة أسامة بن منفذ التي حولها المستوطنون إلى “منزل رومانوا” إلى الحسبة القديمة حيث سمى مستوطنة “أبراهام أفينو” وعلى ذلك الاستراحة في داخل إطار الحرم الإبراهيمي ثم إلى مساحة شرق الخليل حيث مستوطنة “كريات أربع” وبهذا صنع جيبا في المدينة محرم على الفلسطينيين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *