التخطي إلى المحتوى

كتب: حسن حافظ

الدكتور حسين حمودة، الناقد الهائل رئيس تحرير مجلة “فصول” النقدية، أعلن نبأ الرحيل، قائلا عبر صفحته على فيسبوك: “يوم لبداية الحزن الهائل، رحيل أستاذى الدكتور جابر عصفور“. بينما قال الدكتور صابر عرب، وزير الثقافة الأسبق: إن الثقافة المصرية برحيل عصفور فقدت “أحد أعلامها الكبار”، مقدما التعازى “لكل المحبين له ولكل الداعين لشيوخ ثقافة إعمال العقل”.

بدوره نعى الدكتور عبد السلام الشاذلى، الناقد الأدبى، صديقه المتوفي، قائلا: “دمعة للحزن ودمعة للأسى.. أخى وزميل مقاعد دراستى وأساتذتى، جابر عصفور وداعًا، كنا كجناحى نورس طليق من قيد الضرورة إلى آفاق الحرية، واختلفنا حينًا، وتخاصمنا حينًا، إلا أن محبتنا ظلت بروابط الزمالة لم تنفصم”، وأضاف: “أيها الطائر المغرد وداعًا، وسلامًا لكل الأحبة من الذين تلتقيهم من أساتذتنا وزملائنا، الذين سبقونا وتركوا فى القلب حزنا وأسى عميقين”.

إقرأ أيضاً | جامعة القاهرة تطلق اسم «جابر عصفور» على أضخم مدرج بكلية الآداب

من جهته، استعاد الدكتور عماد أبو غازى، وزير الثقافة الأسبق، علاقته بأستاذه قائلا بكلمات حزينة: “اللقاء الأول الحقيقى الذى تعارفنا فيه كان فى عام 1988، عندما عملت معه فى الاحتفال بمناسبتين كبيرتين؛ الأولى مئوية طه حسين، والثانية حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل فى الأدب، ومن يومها لم تنقطع الصلة التى تحولت من رابطة الشغل والتعلم من الأستاذ، إلى الصداقة والمودة”. وتابع عبر صفحته الشخصية على فيسبوك: “أودع الدكتور جابر عصفور الأستاذ والمعلم والناقد والمفكر ومشيد الصروح الثقافية، إلا أن قبل ذلك وبعده أودع جابر عصفور الصديق والإنسان”.

حالة الحزن الواسعة التى عمت الأوساط الثقافية لها ما يبررها، فجابر عصفور الذى ولد بقرية المزداد بالمحلة الكبرى 25 مارس 1944، مكن لنفسه كأستاذ جامعى وباحث وأكاديمى ووزير للثقافة وأمين للمجلس الأعلى للثقافة، ومؤسس للمركز القومى للترجمة، ومثقف تمَكّن أن يؤسس لمواقف جلية تحسب على تيار التنوير وحرية التعبير، ما يجعله أحد أبرز المثقفين فى مصر والعالم العربى، خصوصا فى فترة توليه لمنصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، لفترة خمسة عشر عاما، نجح خلالها فى تغيير المجلس إلى شعلة نشاط وبث الحماس والحيوية فى لجان المجلس، كما فتح أبواب المجلس للتواصل مع المفكرين والباحثين الأجانب، فأصبح المجلس ولجانه وفعالياته نافذة للاطلاع على مستجدات تيارات الفكر العالمى.

كما يعتبر من أضخم منجزات عصفور ما حققه من إطلاق المشروع القومى للترجمة، الذى بدأ كفكرة منه، تحولت إلى بداية متواضعة فى العام 1995، ثم توالت الإصدارات المترجمة من مختلف لغات العالم، حتى تجاوزت العناوين الألف ثم الألف الثانية، وحقق جابر عصفور مشروع ترجمة ضخماً يقارن بمنجز الترجمة فى عصر العباسيين وبيت الحكمة ببغداد، ومشروع عصفور فى الترجمة ليس له مثيل في السابق فى الثقافة العربية كلها، من حيث الكم والكيف، فهناك الكثير من العناوين التى تغطى مناحى الثقافة المحتلفة، فضلا عن الترجمة من أكثر من 30 لغة، ليكسر هيمنة الترجمة عن أوروبا ليسمح بكسر مركزية الثقافة الأوروبية التى ظلت مهيمنة على المرأى العربى منذ بداية عمليات التحديث فى القرن التاسع عشر، وبعد أن رسخ المشروع أقدامه تغير اسمه إلى المركز القومى للترجمة ليواصل دوره التنويرى الذى تجاوز حاجز مصر ليشمل العالم العربى كله بنوره.

ولا تقتصر ضرورة جابر عصفور أو دوره على مناصبه فقط، بل إن أهميته ترجع بالأساس إلى منجزه الثقافى عبر الكتابة الأكاديمية والكتابة عبر المجلات والصحف المصرية والعربية، التى تناول فيها الكثير من القضايا الفكرية بمقاربات عن البنيوية والتفكيك وخطابات ما بعد الاستعمار وما بعد المركزية الأوروبية، والنقد النسوى، إلى تناول القضايا الحياتية ومحاولة البحث عن إجابات لمشاكل المجتمع المصرى، وليس انتهاء بمقارعة تيارات الظلامية، فكان رافع لواء التنوير فى مصر والعالم العربى، وخلال ذلك كله خاض غمار الكثير من المعارك التى ميزت حياته، وتركت تأثيرا فى الحياة الفكرية والثقافية، فهو تلميذ مباشر للدكتورة سهير القلماوى، كما ينتمى إلى مدرسة أستاذها عميد الأدب العربى طه حسين، فدشن عصفور مشروعه النقدى والفكرى بالانفتاح على الغرب والاغتراف من التراث.

منحى من ضرورة تجربة جابر عصفور هو الانفتاح على الآخر، فالرجل الذى حصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة، وأصبح عضوا من أعضاء المدراسة والتعليم بداية من العام 1969، أصبح “أستاذاً مساعداً” (زائر) فى جامعة وسكونسن بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم جامعة صنعاء باليمن، وبعدها جامعة استكهولم بالسويد، ليشغل وظيفة أستاذ النقد الأدبى بكلية الآداب- جامعة القاهرة بداية من العام 1983، ثم أعير إلى جامعة الكويت، كما رأَس قسم اللغة العربية بكلية الآداب- جامعة القاهرة، بين عامى1990 و1993، وذهب إلى جامعة هارفارد الأمريكية كأستاذ زائر مرتين، وألف العديد من الكتب المهمة، نذكر منها: “المرايا المتجاورة”، و”قراءة التراث النقدى”، و”مصيبة التنوير”، و”دفاعا عن التنوير”، و”هوامش على سجِل التنوير”، و”زمن الرواية”، و”عكس التعصب”، و”الرهان على المستقبل”، و”غواية التراث”، فضلا عن ترجمته عديدة كتب من أهمها “عصر البنيوية” و”الماركسية والنقد الأدبى”.

ومن أشهر المعارك النقدية تلك التى جرت بين الدكتور جابر عصفور والدكتور حسين حمودة، بعد تأليف الأخير لكتابه الشهير “المرايا المحدبة.. من البنيوية إلى التفكيك” الذى هاجم فيه مفكرى الحداثة، الأمر الذى دفع عصفور وهو صاحب كتاب “المرايا المتجاورة”، إلى الرد فى سلسلة من النصوص، فى معركة فكرية وصفت بأنها معركة نهاية القرن العشرين بين اثنين من كبار نقاد الأدب، كما شارك عصفور الدكتور نصر حامد أبوزيد، معركته ورفض محاولات التنكيل بنصر، وطالب بالمناقشة العلمية فقط، فنال عصفور من الانقضاض جانبا وتم التشكيك فى دينه، وتعرض لقضايا الحسبه التى تشعبت وتوسّعت فى التسعينيات، إلا أن عصفور تمَكّن الخروج من كل هذه الكرَّة الظلامية، وسجلها فى كتابه “عكس التعصب”.

وخاض عصفور عديدة معارك بسبب اتهامه عن طريق بعض المثقفين، بأنه مثقف يعمل من داخل السلطة، وأنه أداة فى يدها للسيطرة على المثقفين، وقد رد عصفور بالقول إنه ينتمى إلى تيار ثقافى يبدأ من رفاعة الطهطاوى وينتهى بطه حسين، وهو تيار يرى ضرورة حماية السلطة للمثقف، إلا أن هذا لم يعجب القلة ومنهم الشاعر الهائل حسن طلب، الذى دخل فى معركة هائلة مع عصفور، وصلت إلى ساحات القضاء، إذ هاجم طلب إدارة عصفور للمؤسسات الثقافية، واتهمه بالفساد، ليرد عصفور برفع دعوى قضائية عكس حسن طلب، وتحولت المعركة إلى سلسلة من التصريحات والاتهامات المتبادلة بين الطرفين.
رحل جابر عصفور تاركا خلفه تراثا ضخما من الدراسات النقدية، التى جعلته رافع لواء النقد فى مصر وعميد النقد الأدبى بها، كما ترك العديد من الأفكار التنويرية التى تحتاج للاشتباك معها، والتفكر فيها، ترك الكثير من الكتب ومئات النصوص التى تحتاج لقراءات وقراءات للاشتباك مع أفكارها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *